
هز رأسه بلا معنى وكاد يعبر لولا أن اوقفته متسائلة بشيء من الاستنكار:
-إيه دا مش هتقولي صباح الخير؟ -صباح الخير.
رددها باقتضاب، فعبست عمدًا وراحت تشاكسه:
-إيه دا صباح الخير عادي كدا؟ وكل الدروس بتاعت الكلم\ات التركي امبارح ما أثرتش فيك؟! رمقها بنظرات مغلقة مقتبضة ومر دون أن يجيبها مسببًا لها دهشة لم تفصح عنها وفضلت الصمت. وحين خرج من المرحاض، كانت نوسين تتقدم منه ممسكة في يدها طبق ارز باللبن، فاتسعت حدقتاه غير مصدقًا أن ذاك الحلم البغيض يلاحقه الان ايضًا !
وقبل أن تقترب أكثر كان يوقفها هادرًا وكأنها ستُصيبه بوباء قاتل:
-ابعدي ابعدي اوعي تقربي! تجمدت نوسين مكانها ولم تستوعب ما أصابها، فتلكأت حروف أسمه على شفتيها بتعجب جلي:
-عمر!
-بلا عمر بلا زفت. ثم تحرك بخطى سريعة ليغادر دون اضافة المزيد تاركًا إياها تحاول استيعاب ما أصابه. **** بعد يومين.. في منطقة مختلفة، كان عمر يقف في جانب من الشارع، وعيناه مُسلطة على الأطفال الذين يلعبون سويًا، منتظرًا شيء معين، حتى تحقق وتقدم منهم احد الأطفال الذي يقصده عمر..
فتحرك بحذر وهو يوزع نظراته من حوله ليتأكد من عدم انتباه أي شخص له، وانحنى حتى أصبح في مستوى الطفل فسأله بصوت هامس:
-عاوز شيكولاته من الكبيرة يا حبيبي؟ هز رأسه مؤكدًا بلمعة سعادة طفولية، فتابع عمر:
-بس اوعى تقول لصحابك عشان أنا مش معايا غير واحدة، وأنا حبيتك فقولت محدش هياخدها غيرك. اتسعت ابتسامة الطفل بنصر طفولي، ثم إلتفت لأصدقائه قائلًا:
-استنوا خمس دقايق وجاي.
وأمسك بيد عمر التي مدها له، وسار معه نحو احد الشوارع الجانبية، وما أن اصبحا بمفردها حتى أخرج عمر قطعة صغيرة من القماش بها مخدر، ووضعها على أنف الطفل الذي لم يستغرق دقائق طويلة ليفقد الوعي بين ذراعي عمر…. **** ( نوسيـن ) الفصل السادس : أدخل عمر الطفل للسيارة التي كانت تنتظره، والتي كان بها “نوسين” ومعها جارها وصديقها المقرب “حوده”، ثم ركب هو الاخر، فأشارت نوسين لـ “حوده” هاتفة بتوجس وكأنهم سيتم امساكهم بالجرم المشهود في أي لحظة:
-اطلع بسرعة يا حوده يلا.
وبالفعل إنطلق “حوده” بالسيارة، فالتفتت نحو عمر تسأله بقلق لم يخفَ عليه:
-متأكد إن محدش شافك؟ دي فيها كلبشات دي. شبه ابتسامة ملتوية متشبعة بالسخرية تراقصت على ثغره وهو يُجيبها بذات اللهجة المقتضبة التي باتت تكرهها فعليًا، وتجهل سببها حتى الان:
-محدش شافني. ضـ,ـربت نوسين على كتف “حوده” وأخذت تتلفظ بنبرة ذات مغزى وهي ترمي عمر بنظرات تحمل معاني يفهمها جيدًا:
-سوق يا حوده، سوق يا سِمح يا ابو وش بشوش، أنت لازم تشكر ربنا إنه ماخلقكش بوش بومة زي ناس.
تعترف داخلها أنها أرادت اثارة كمده، ولكنه الان بتجاهله الواضح لِمَ ترميه من كلم\ات ذات معاني مبطنة، نجح وبجدارة في رد الصاع صاعين لها واشعال الغيظ داخلها دون مجهود يُذكر. تنهدت وهي تُريح جسدها للخلف مستندة على مقعد السيارة، تتذكر ما حدث قبل هذه الوقعة، أي قبل هذا اليوم بيومين… كانت نوسين تغسل يدها حين صدح رنين هاتفها معلنًا وصول اتصال لها من “حوده” فأجابت الاتصال بأطراف أصابعها بصوت هادئ وهي تفتح مكبر الصوت وتضع الهاتف أسفل ذراعها:
-عامل إيه يا حوده؟
أتاها صوته الأجش:
-الحمدلله يا نونا، أنتي عاملة إيه؟
-بخير الحمدلله. سألها:
-هتيجي امتى؟ ياريتك ما ورطتي نفسك مع الجدع دا، مش هيجيلك من وراه غير الهم. عقدت ما بين حاجبيها متعجبة من لهجته القانطة المتحفظة:
-ليه بتقول كدا يا حوده؟ تكلم بنفس اللهجة:
-من ساعة ما مشيتي وتقريبًا كل يوم بيجي اتنين يتأكدوا أنتي رجعتي ولا لا، شكلهم مش هينسوكم لما تغيبوا كام يوم زي ما قولتي، وأكيد أنتي مش هتفضلي هربانة طول عمرك؟
برغم القلق الذي استباح مكمن احساسها، إلا أنها سألته بتشكك:
-أنت متأكد إنهم هما؟ أكد لها دون تردد:
-ايوه طبعًا متأكد زي ما أنا متأكد من أسمي، دول بيطلعوا يتأكدوا فوق من الشقة نفسها، دا كان يوم اسود يوم ما شوفتيه وساعدتيه. دون سيطرة منها وجدت لسانها يتولى دور ترجمة ما هدر به قلبها:
-م\اتقولش كدا يا حوده. سمعت نغمة صوته التي تلحنت بالسخرية البحتة:
-يا حنينة! وماقولش كدا ليه مش دا اللي حصل؟
صمتت برهه وقد ارتبكت من افصاح لسانها عما يحويه قلبها، ولكنها أغلقت مكبر الصوت وأمسكت بالهاتف متابعة بصوت جاهدت أن يبدو ثابت وعادي:
-أكيد هو ماكنش عايز يحصل اللي حصل، بس دا قدر، وبعدين هو شخص كويس جدًا ماشوفتش منه حاجة وحشة، وسافر معايا وفضل جمبي عشان يتأكد إن محدش يأذيني، واحد غيره كان ممكن يختفي من حياتي ويطنش، خصوصًا إنه فيه اللي مكفيه. أحست أنه يهز رأسه وهو يغمغم بيأس:
-طيب. -طيب، هقفل أنا دلوقتي وهكلمك تاني.
-ماشي مع السلامة.
وبالفعل أغلقت الخط، ثم استدارت لتجد أمامها “عمر” الذي لم تشعر بوجوده، فشهقت بفزع:
-بسم الله الرحمن الرحيم، في إيه ما تقول احم ولا دستور! لم يسخر بأي قول كالعادة او يشاكسها، بل بدا وكأنه لا يريد أن يضع نقطة تواصل جديدة معها، مكتفيًا بما دونه القدر في صفحاتهما السابقة، ورافضًا إياه ايضًا:
-أنا هخلصك من الموضوع دا. سألته بعقل لم يدرك مقصده كليًا:
-موضوع إيه؟ اجابته كانت باردة مقتضبة:
-الناس اللي بيجوا كل يوم يشوفوكي في بيتك، فعلًا أحنا مش هنفضل طول عمرنا هربانين.
استفسرت بنبرة غلب عليها التوجس:
-وهتخلصني منهم ازاي؟ هز رأسه نافيًا بصدق:
-حاليًا مش عارف، بس هتصرف. ثم استدار لينصرف، عازمًا على تنفيذ ما قاله وتخليصها منهم، وتخليص نفسه ايضًا من الوقوع في فخ الخيانة الذي لا يقدر على تحمله..! هكذا كانت البداية، ثم بالطبع لم تتركه نوسين سوى بعد أن أخبرها بما يود فعله، فأصرت على مشاركته مرددة بعزم بعد أن أعرب عن رفضه:
-أحنا مع بعض في الموضوع دا سوا، يبقى هنخلص منه سوا برضو.
هز رأسه نافيًا وراح يخبرها بشيء من السخرية:
-يعني أنا عايز أخلصك من الموضوع دا أقوم أورطك في اكبر منه، لا طبعًا. إنخرط المكر بحروفها وهي تسرد له دهاء تفكيرها:
-مش بمزاجك على فكرة، لأن أنت محتاج مساعدتي. رفع حاجبه الأيسر محتجًا:
-محتاج مساعدتك ليه يا عبقرية زمانك؟ أكملت بذات الطريقة:
-تقدر تقولي هتجيب منين العربية اللي هتروح بيها المنطقة اللي هتاخد منها الواد، وكمان البيت اللي هتحط فيه الواد بعد ما تاخده؟ تنهد وقد أيقن أنه وقع في مصيدة سؤالها ولن ينفك منها سوى بموافقته على مصاحبتها:
-كنت هتصرف.
-الكلام سهل، بس التنفيذ أصعب، أنا عندي الشخص الثقة اللي هنحط الواد في بيته وهيتصرفلنا في عربية يودينا بيها كمان. وبالطبع ذلك الشخص لم يكن سوى صديقها المقرب المُخلص “حوده” والذي لم يعترض اطلاقًا على مساعدتهما. وبالفعل تم الترتيب لكل شيء، وأعدا نفسهما للمغادرة من منزل خالتها، التي لن تنسى الدموع التي ذرفتها ما أن علمت بمغادرتهما وهي تقول بصوت مبحوح يقطر حزنًا جعل نوسين تود مشاركتها البكاء:
-يعني خلاص هتمشوا وهرجع أقعد لوحدي تاني؟
احتضنتها نوسين مسرعة بقوة وهي تردف بلهفة وحزم:
-أنتي عارفة إنه غصب عني والله، بس صدقيني أول ما أرجع هظبط أموري وهاجيلك كل شوية، او هجيبك أنتي تقعدي معايا.




