
-عمر. استدار لها متوقعًا سؤالها الذي لم يتأخر كثيرًا:
-أنت رايح فين؟
-رايح أقعد مع الشباب تحت. نهرته بعصبية خفيفة تعود على طفوها بدون مبررات:
-بلا شباب بلا نيلة، مراتك دي ليها حق عليك، اعتبرها شاب من الشباب يا سيدي واقعد معاها شوية. كاد يعلن حجة جديدة ليهرب، ولو أن الحجج كلها فرغت منه:
-ما أنا آآ… ولكنها قاطعته بحزم غير قابل للنقاش:
-اتفضل روح يلا اقعد مع مراتك شوية قبل ما تناموا، يلا. تنهد بقوة قبل أن يستدر مجبرًا على مضض ويعود للغرفة لنوسين التي ما أن رأته حتى سألته بتلقائية مدهوشة:
-إيه دا أنت إيه اللي رجعك؟
تلفظ ساخرًا:
-قلبي مش قادر على بُعدك. رفعت حاجبيها معًا بتعجب وعلى طرف لسانها شك في جنونه، فجلس على الفراش وقال متنهدًا:
-خالتك اللي أجبرتني إني أرجع أقعد معاكي. -معلش اقعد شوية وهي هتنام وابقى انزل. هز رأسه مؤكدًا على كلامها.. وبعد قليل، سمعا صوت المفتاح يتحرك في باب الغرفة، ولم يكن الأمر يحتاج الكثير من التفكير ليستنتجا أن خالتها أغلقت الباب عليهما، فاتسعت حدقتاه وهو يشير نحو الباب بذهول:
-إيه اللي حصل دا ؟
-قفلت الباب علينا.
غمغمت نوسين التي كانت منخرطة معه في فقاعة واحدة من الصدمة، فتصرفات خالتها قد فاقت التوقعات، ثم نهضت مسرعة نحو الباب لتحاول فتح الباب حتى تتأكد من ظنونهما التي كانت شبه مؤكدة، وحين تأكدت استدارت لعمر الذي تكلم بكمد:
-خالتك بتعاملنا معاملة يهود، هنعمل إيه بقا في الورطة دي؟ صمتت لدقيقتان تقريبًا منغمسة بين طيات عقلها تفتش فيه عن حل سريع، ثم برقت بعقلها فكرة جعلت الابتسامة الشقية تتراقص على شفتيها وهي تستطرد بزهو:
-أنا عندي بعون الله الحل لكل حاجة، ثق فيا.
لمح بطرف عينيه “برص” كان يسير على سقف المنزل، فأردف ساخرًا وهو يشير له:
-دا أنا أثق في البُرص دا وماثقش فيكي. افترش التحدي ساحة عينيها البندقية، ثم أمسكت “دب\\وس شعرها”، ونفخت خصلتها السوداء التي تدحرجت مغطية جزء من عينيها بغرور طفولي، ثم اقتربت من الباب وبدأت تحاول فتحه بدب\\وس الشعر، ولكن محاولتها باءت بالفشل، فنظرت للدب\\وس وهي تتمتم كأنها تناشده الاجابة:
-الله هو مافتحش ليه زي في الافلام؟ قاطعها صوت عمر المُستهزئ وهو يردد:
-مش يمكن عشان المخرج عايز كدا مثلًا؟
تعلق الاحراج على أطراف معالمها ولم تنفجر حروفها كالعادة، فهز عمر رأسه بيأس:
-انتي دماغك إتلحست من الافلام، وبعدين أنا مستني إيه اساسًا من واحدة اسمها برقوقة. رمقته شرزًا وهي تحذره من بين أسنانها ضاغطة على كل حرف من حروفها:
-أكتر حاجة بكرهها في حياتي هي الاسم دا، أنا اسمي نوسين. إنطلقت الكلم\ات من جوف الكتمان تعلن السؤال الذي كان يراوده منذ رآها:
-اهو الاسم اللي عامل زي التعويذة دا بالذات أنا شاكك فيه، انتي مين سماكي اسم زي دا ومعناه إيه؟
رمقته بنظرات متلألئة بالغرور الذي من المفترض أن يستفزه ولكنه على غير العادي يُضحكه:
-معناه المستقبل، ماما اللي سمتني، أصل أنا ليا اصول تركية. استسلم لذلك الحبس الاجباري لكليهما، وقرر الاستمتاع به، فـ راح يحثها ولأول مرة على الثرثرة معه معترفًا أن ثرثرتها مفيدة احيانًا للقضاء على وقت الفراغ:
-وعلى كدا بقا بتعرفي تتكلمي تركي؟ أكدت بفخر:
-طبعًا امال. -طب ما تسمعينا حاجة كدا. تفوهت بنبرة درامية مرحة:
-دخيلك عدنان بيك لا تتركني هيك.
لأول مرة تنطلق ضحكات عمر مخترقة حاجز السكون لدرجة أن برزت نواجزه، مناغشة دقات قلب الماكثة جواره تتأمل ضحكاته الرجولية بشجن، ثم سألها ولازالت بقايا ضحكاته متعلقة بفمه:
-دا تركي دا؟ إنتقلت لها الضحكة مُزينة اجابتها التالية الغارقة بالغرور :
-لا أنا كنت بهزر معاك، اوعى تفكر إني جاهلة عشان مكملتش تعليم، أنا مثقفة بالفطرة، وأعرف كلم\ات تركية بجد. سألها متهكمًا:
-كلم\ات زي عدنان بيك لا تتركني هيك؟ فهزت رأسها نافية بسرعة تخبره بالكلمة التي كانت ترجمتها ” أنا أحبك” :
-لا لا كلم\ات بجد، زي Seni seviyorum.
ضيق عيناه بشك:
-اوعي تكون شتيمة؟ فنفت وراحت تسرد في مكر أجادت اخفاؤه:
-لا لا شتيمة إيه، دي حاجة كدا زي صباح الخير. -امممم فعلًا؟ أكدت بلا تردد بنبرة صبيانية معهودة:
-عيب عليك هو أنا هضحك عليك يعني! هز رأسه مبتسمًا، ثم استشعر الجو الحار الذي خنق الغرفة، فنهض وفتح الشرفة سامحًا للهواء باختراق الغرفة، ولكنه دخل مُحملًا برائحة الطعام من المطعم الصغير الذي لم يكن بعيدًا عن المنزل، فأغمضت نوسين عيناها بانتشاء وهي تبلل شفتاها بلسانها في حركة تنم عن تلذذها الكبير، مهمهمة كالقطط:
-أنا مابحبش الكفتة، بس ريحة الفحم بتغسلني من جوه.
لم تدرِ أن حركتها العفوية كانت كلسعة سوط ضاري على مشاعر “عمر” التي يكبحها بشق الأنفس محاولًا تس\\كينها، فعادت تزلزل ضلوعه من جديد، مُنددة برغبة شفتاه في استكشاف تلك الشفاه..! فيما كانت “نوسين” منشغلة بثرثرتها المعتادة عما تحب من الأطعمة وما تكره، غافلة تمامًا عما يعانيه ذلك المس\\كين.. إنتبهت اخيرًا لنظراته المُسهمة على وجهها، فأشارت له بأصابعها منادية:
-إيييه أنت متنح كدا ليه روحت فين؟ أخذ نفس عميق، وغضبه الداخلي بدأ يتصاعد.. لاعنًا مشاعره الذكورية الغريزية التي قررت إنهاء غفوتها الطويلة.
ثم نهض بقليلٍ من الانفعال، وبدأ يبحث في الغرفة عن أي شيء يفتح به ذلك الباب، وأجابها اثناء ذلك:
-أحنا لازم نتصرف ونفتح الباب دا. اومأت نوسين مؤكدة وبدأت تبحث معه، حتى وجدا أخيرًا آلة حادة رفيعة، بدأ عمر يحاول فتح الباب بها دون ضوضاء حتى لا يتسببوا بإيقاظ خالتها، وربما تتهامهما أنهما لصوص! نجحا أخيرًا في الخروج بعد عدة محاولات، وتوجه عمر صوب الغرفة التي يقطن بها والتي كانت عبارة عن غرفة فارغة صغيرة جدًا، بها فرش على الأرضية ينام عليه..
**** قطع غفوته صوت طرقات على باب الغرفة، ثم صوت نوسين يناديه بهدوء ورقة:
-عمر. فاعتدل جالسًا وهو يجيبها بصوت أجش لازال به اثار النوم:
-ادخلي يا نوسين. دخلت بالفعل، حاملة بين يديها طبق من الأرز بلبن، وتتحدث بابتسامة حلوة رائقة زادت ملامحها جمالًا فوق جمالها:
-أنت طولت في النومة النهارده، وخالتي عاملة رز بلبن قالتلي أصحيك وأطلعهولك تفطر بيه. اومأ برأسه موافقًا بغير حماس، ثم نهض فعقدت ما بين حاجبيها واستفسرت:
-أنت مش بتحب الرز بلبن ولا إيه؟ دا حلو أوي.
قالت اخر كلم\اتها وهي تلتقط الملعقة وتتناول جزء منه بها، مهمهمة باستمتاع وتلذذ وهي تكرر ذات الحركة اللعينة بإغلاق عينيها والإنسجام المفرط في التذوق..
ثم مدت له الطبق، لمح عمر بقايا الأرز عالقة بطرف شفتاها، فمد إصبعه دون أن يفكر ومسحها جاعلًا رجفة عنيفة ترج قلب وكيان الماثلة أمامه، محاولًا تجاهل نداء قوي يأتيه من داخله آمرًا إياه بإستبدال إصبعه بشفتاه، ولكنه لم يستطع تمالك زمام عاطفته هذه المرة ولبى ذلك النداء، جاعلًا شفتاه تلتقي بسبب شقاؤه “شفتاها” في قبلة كانت الأكثر حلاوة وشغفًا، كانت لاهبة مفعمة بالعاطفة بشكل أشعره أنه يخطو أولى خطواته في درب الهوى، مترنحًا بسُكره العاطفي الطاحن.
***
صوت ضوضاء خارجية كان السبب في استيقاظ عمر منهية حلم كان من ألذ ما حلم، نهض يلتقط أنفاسه، وكأنه كان في ماراثون عاطفي، مصدومًا من هذا الحلم وتلك المشاعر ! وشعور قوي بالخيانة يتفجر داخله مسممًا ثناياه؛ فهو بشكلٍ ما قد نسى زوجته الحبيبة ومعشوقة روحه، ولم يحلم بها منذ فترة، وفوق ذلك يحلم أنه يُقبل امرأة غيرها.. امرأة غريبة عنه.. بل ولا زال حتى اللحظة يشعر بنفس الغزو العاطفي، وكأنها….. وكأنها ليست مشاعر ذكورية غريزية عابرة !!
نهض بحركات عصبية رافضًا الاعتراف بما توصل له عقله واحساسه، يدور حول نفسه كليثٍ حبيس، يحاول ايجاد مبررات تهدئ من لوع تأنيب الضمير القاسي الذي ينحره نحرًا… ضـ,ـرب الحائط بعنف وغضب عدة مرات بيده صارخًا صرخة عبرت عن جزء قليل مما يجيش بصدره. واخيرًا بعد قليل بدأ يهدأ، ولكن جوفه لا زال محتفظ بذلك الشعور كالعلقم، نزل نحو شقة خالتها، طرق الباب، وعلى عكس كل أمنياته كانت هي التي فتحت الباب، وقابلته بابتسامة هادئة:
-صباح الخير يا عمر.




