
فشددت ثريا من احتضانها بابتسامة صغيرة ساكنة.. حتى عمر استشعر الفراغ الذي هدد بمداهمته ما أن أوشك على ترك الجو الأسري الدافئ الذي غمره مؤخرًا بعد أن كان مُفتقده لفترة طويلة. **
عادت “نوسين” بذاكرتها للواقع على صوت أبواق السيارة التي دخلت للحارة الشعبية التي تقطن بها ويقطن بها “حوده”، فعدلت من غطاء الوجه الأسود الذي ترتديه حتى لا يعرفها أي شخص، وارتدى “عمر” القبعة والنظارة الشمسية اللذان ارتداهما ليخفي ملامحه ايضًا تحسبًا لأي شيء.
وحمل “عمر” الطفل بحرص، ومن ثم تحركوا خلف “حوده” الذي قادهم نحو بيته، دلفوا جميعهم البيت بسلام فأزالت نوسين غطاء وجهها وهي تتنهد بصوت مسموع:
-الحمدلله، قلبي كان هيقف من الخوف. تحدث “حوده” متهكمًا بشفاه ملتوية:
-ماشاء الله يا نونا أنا ملاحظ تطور في الاداء، كان الاول عصابة بتدور عليكوا، دلوقتي بقينا أحنا العصابة وبنخطف أطفال. زجرته نوسين عاتبة:
-حوده! ما أنا فهمتك كل حاجة، أحنا مش خاطفينه أحنا هنخليه معانا مؤقتًا لحد ما أبوه يعمل اللي أحنا عايزينه.
-اه طبعًا طبعًا. دمدم بها حوده ساخرًا، قبل أن يربت عمر الذي كانت ملامحه متجهمة، على كتفه بخفة ويتشدق بصوت أجش ذو مغزى:
-تسلم يا حوده على مساعدتك، نردهالك في الأفراح. ود حوده لو يهتف فيه أنه لا يريد منه مردود سوى أن يغادر حياة نوسين التي قلبها رأسًا على عقب، ولكنه اكتفى برمقه بنظرات شزرة وكتم ما يجول خاطره. بعد قليل… كان ثلاثتهم جالسين على الأريكة جوار بعضهم، وعمر يمسك بهاتف “حوده” الذي أعطاه له ليتصل بوالد الطفل، والذي كان صديقه غير المقرب “حازم”، الشخص الذي أغراه للمشاركة في هذه المصارعة يوم كان ينوي الانتـ,ـحار..
أتاه صوت حازم المتلهف، الذي يبدو أنه قد علم بغياب طفله:
-الو؟ تلفظ عمر بهدوء:
-ازيك يا حازم؟ سأله حازم بشك في نبرة الصوت:
-مين معايا؟
-أنا عمر. دوت المفاجأة في صوته الذي عَلى مرددًا الاسم:
-عمر! -ايوه، وأبنك معايا، اعتبره في مشوار معايا لحد ما أنت تخلص اللي هنتفق عليه. أصاب الهلع نبرته حتى استحكمها تمامًا وهو يتوسله:
-ابني ملهوش دعوة بأي حاجة يا عمر، دا جزاتي بعد ما خرجتك من المكان بعد ما أغمى عليك، وبسببي شافتك البنت اللي أنقذتك، رجعه وهعملك اللي أنت عايزه.
هز عمر رأسه وكأنه يراه، وهمهم بنبرة دبلوماسية:
-اسف، أنا عارف إن أنت اللي خرجتني ساعتها، بس ممكن ولائك ليهم يكون اقوى من حبك لصديق عادي زيي، بس أكيد مش هيكون أقوى من حبك لابنك. صمت برهه ثم تابع وكأنه قرر استعطافه قليلًا بدلًا من التهديد المستمر الذي لربما يأتي بنتيجة عكسية:
-أنا حياتي وحياة واحدة ملهاش ذنب في أي حاجة هتدمر، بسبب ناس غرورها وقسوتها عاميينهم. سأله “حازم” بخفوت مستكين بعد صمت لم يطول:
-أنت عايز إيه بالظبط يا عمر؟
بدأ عمر يخبره مسرعًا بتركيز:
-كل اللي عاوزه إنك تجيبلي طقم من اليونيفورم اللي بيلبسوه الناس اللي شغالة هناك، وتأمن دخولي عشان أصور اللي بيحصل هناك وأسج\نهم وأخلص منهم.
لم يأتي الرد سريعًا من حازم الذي كان يحسب تلك المسألة جيدًا من جميع جوانبها قبل اتخاذ قراره؛ والذي أفصح عنه بعد دقيقة تقريبًا ليريح المنتظرين على الهاتف من لهيب انتظارهم:
-ماشي يا عمر، هساعدك عشان أنا نفسي أخلص من القرف اللي بقيت فيه ومن ذنب الناس اللي بتمـ,ـوت وذنبهم في رقبتي، وهطلعك الدور اللي فوق بتبقى شايف كل الموجودين واللي بيحصل، بس لازم تعرف إن الموضوع مش سهل ومش أمان، وكل الاحتمالات وارد تحصل جوه.
هز عمر رأسه مؤكدًا على مضض:
-عارف، بس مش قدامي حاجة غير كدا. -تمام، بليل هنتقابل في ****.
-ماشي، سلام. لم يصر “حازم” على عودة طفله الان؛ لأنه يعلم تمام العلم أن عمر من المستحيل أن يؤذيه، ليس بعد ما مر به، والذي استغله هو بشكلٍ قذر حين وسوس له كالشيطان ليشارك في تلك المصارعة بعد أن اصحبت حياته فارغة ولا قيمة لها ! فيما أغلق عمر الهاتف، ثم نظر صوب نوسين وحوده وأمرهما بلهجة صارمة لا تقبل النقاش:
-انتوا هتيجوا في العربية تستنوني لحد ما أخرج، ومهما حصل م\اتدخلوش.
اومأ “حوده” موافقًا، بينما نوسين تشعر أن قلقها عما قد يحدث لعمر، صار كس\\كين بارد داخلها يُمزق نياط قلبها ببطء قاتل، ولكنها لا تملك حق الإفصاح عن هذا القلق.. لا تملك سوى أن تدف\نه داخلها ويظل ينهش في جدران صمتها. نطقت مقترحة فكرة لم تكن مفعمة بالذكاء:
-طب ما تبلغ عنهم وخلاص والبوليس يروح يمسكهم متلبسين. أخذ يشرح لها عمر بأسلوب عملي بحت:
-اولًا كل الناس اللي بتشارك في الحاجات القذرة دي ليهم نفوذ وواصلين، وثانيًا أكيد عاملين احتياطهم عشان لو أي حد جه فجأة، ثالثًا البوليس مايقدرش يقتحم المكان من غير دليل او اذن نيابة.
هزت نوسين رأسها بيأس مرددة بحروف غلب عليها المرح الذي تخفى خلفه قلقها:
-محامي محامي يعني مش أي كلام. **** جاء الليل وكم تمنت “نوسين” أن تمنع الشمس هيمنته على الأجواء وألا يأتي!
رغم رغبتها في التخلص من هؤلاء الناس، والعودة لحياتها بشكل طبيعي، إلا أن رغبتها في عدم اصابة عمر بأي خدش تفوقها بمراحل.. كان كلاً من “نوسين” و “حوده” في انتظار “عمر” الذي ارتدى الزي الرسمي للعاملين في ذلك المكان، ودلف مع “حازم” للداخل..
ونوسين تناشد الله في سرها ألا يحدث أي مكروه له وأن يسير كل شيء على ما يرام..
بينما في الداخل كان كل شيء يسير وفقًا للخطة المُحكمة التي أعدها عمر مع حازم، وبالفعل إلتقط عمر عدة صور ومقاطع مصورة لجميع الحاضرين في المكان، مع حرصه ألا يُظهر ذلك لأي شخص، وألا يظهر في كاميرات المراقبة أرضًا. وحين أنهى ما أراد، تحرك على عجلة من أمره، للركن المتفق أن يتقابل فيه مع حازم حتى يُسهل عليه الخروج، ولكن جاءت اللحظة التي تعجب عمر تأخرها وهي العقبة المتوقعة التي يجب عليه تخطيها، فقد أصابته الدهشة من سير كل شيء بشكل جيد بل افضل من الجيد.




