
أوقفه احد الأشخاص العاملين في المكان بصوت أجش:
-أنت مين! وإيه اللي جابك هنا؟ تجمد عمر مكانه للحظات يدرس خطوته التالية، ثم استدار نحوه ببطء، وبدأ يقترب منه، إلى أن عاجله بضـ,ـربة عنيفة كان المغزى منها أن يُفقده الوعي لتسنح له الفرصة بالهرب، ولكن الرجل كان أمهر مما توقع، واستطاع تفادي ضـ,ـربة عمر ببراعة، بل وفي لحظة غير متوقعة كان يُخرج من جيبه سلاح أبيض يحمله بالقرب منه دومًا للطوارئ..
وبحركة مباغتة كان يُصيب عمر بها في ذراعه، فتأوه عمر وهو يشعر بالألم المفرط يشل ذراعه للحظات، وقبل أن يكتمل هجوم الرجل عليه مستغلًا حالة الضعف التي اعترته نتيجة شعور الألم الذي تدفق بغزارة داخله مسببًا له انسياب وضعف عام، كان حازم يضـ,ـرب الرجل على رأسه بعنف من الخلف، ناجحًا في إفقاده الوعي. ثم مد يده بالسترة الخاصة به لعمر قائلًا بنبرة متعجلة:
-خد إلبس الچاكيت دا وخبي جرحك بسرعة يلا قبل ما حد تاني يجي.
اومأ عمر مسرعًا وبالفعل كان يتحامل على نفسه مرتديًا تلك السترة، وبعد قليل نجحا أخيرًا في الخروج من براثن ذاك المكان الموحش. ركبا السيارة وإنطلق حوده بها على الفور، فشهقت نوسين بفزع ما أن رأت الجرح في ذراع عمر:
-يالهوي، دراعك حصله إيه؟ هز رأسه نافيًا يحاول طمئنتها:
-دا جرح بسيط متقلقيش. نجحا القلق والخوف في هدم جدران صمتها والإنفجار على هيئة حروفها الملتاعة:
-جرح بسيط إيه أنت مش شايف كمية الدم! ثم وجهت حديثها لحوده بحزم دون أن تأخذ رأي أيًا منهما:
-خدنا على المستشفى يا حوده.
اعترض عمر مسرعًا:
-لا طبعًا مستشفى إيه، احنا لازم نشوف دكتور في البيت وخلاص، لكن مستشفى يعني سين وجيم، ولازم نودي الصور والڤيديوهات دي للبوليس دلوقتي، وكمان الراجل دا عايز يطمن على ابنه. قال اخر كلم\اته مشيرًا برأسه لحازم.. فأومأت نوسين موافقة على مضض، وتدخل حوده يخبرهم بجدية وثقة:
-أنا عندي الدكتور اللي يخلصلنا الحوار، وفعلًا يا نوسين الجرح شكله مش خطير ان شاء الله. **** بعد فترة…
كانوا قد انتهوا اخيرًا من علاج جرح “عمر” الذي لم يكن خطير لحسن الحظ، ثم توجهوا على الفور للشرطة وتقدموا بالأدلة التي بحوزتهم، ثم العودة مع حازم لمنزل حوده ليستعيد طفله، مصحوبة باعتذار عمر عما جعله هو وطفله يعيشوه، ولكنه كان شر لا بد منه كما يقولون.. واخيرًا كانت نوسين تقف مع عمر في مدخل البناية التي تسكن بها، وكأنهم عادوا من جديد لنقطة البداية، ولكن ما لم تعد ابدًا كما كانت هي قلوبهم الغارقة حد النخاع في احاسيس جديدة عليها..
أحست نوسين بقلبها ينخلع رفضًا لذلك الفراق المرفوض الذي فُرض عليه بموافقة من عقلها، لا تدري حتى متى تدخل قلبها في تلك المعادلة، ولكنها اكتشفت أنها خسرت سيطرتها عليه وعلى دقاته في خضم ما حدث.. وعمر لم يكن بأفضل حال منها، ربما فقط أفضل في جعل مشاعره المنتفضة وقلبه يرتديا ثوب الجمود والصلابة المنسوج بخيوط و\\\فائه لزوجته. قطعت النوسين الصمت حين أردفت بصوت به بحة حزينة:
-بما إن دي اخر مرة هنشوف بعض فيها، لسه برضو مش واثق فيا عشان تحكيلي إيه اللي خلاك تورط نفسك الورطة دي وتكره حياتك كدا؟
تنهد عمر بصوت مسموع، قبل أن يقرر بهدوء:
-هاحكيلك. غاصت ذاكرته في قاع بئر ماضيه المُظلم، متذكرًا ذلك اليوم الذي هُدمت فيه حياته وأصبحت مجرد ركام، خرج صوته متحشرج مطعون بالألم:
-عرفت إن مراتي وحبيبتي حامل، وكنا خارجين بنتفسح في اليوم دا كإحتفال، وطايرين من الفرحة حرفيًا، قولتلها عدي الناحية التانية للعربية استنيني، وأنا هجيب أيس كريم وجاي، وياريتني ما قولتلها كدا، أنا اتسببت في مـ,ـوتها من غير ما أقصد، هي وبتعدي جت عربية سايقها واد صايع سكران ماشي بسرعة مجنونة وخبطها م\اتت في ساعتها هي واللي في بطنها.
فرك عيناه وكأنه يحاول منع تلك الدمعة التي تصر على الهرب من عينيه، وتابع:
-سبحان مغير الأحوال من حال لحال، حالي وحياتي إتغيرت من واحد طاير من الفرحة وحاسس إنه مالك الدنيا وما فيها، لواحد خسر كل حاجة فجأة ومش طايق الدنيا باللي فيها، حاولت أجيبلها حقها عشان ترتاح وأنا ارتاح، بس الواد كان معاه وسايط ونفوذ وعرف يطلع من القضية زي الشعرة من العجين. إلتوت شفتاه بسخرية بدت لها أنها لقدره وعجائبه وليست لها حين تشدق:
-تخيلي أبقى محامي والمفروض بساعد الناس وأجيبلهم حقهم، وماعرفش أجيب حق مراتي وأقرب الناس ليا.
أحست بذبذبات صوته تُنقل لها الألم الذي يفيض من نبرته فتشاركه إياه، ورغبة برقت بغتةً داخلها تود لو تحتويه بين أحضانها علها ترطب جروحه الملتهبة، ولتُسكت الضجيج الذي بدأ يعلو بعقلها، سألته:
-طب فين أمك وأبوك؟ زفر بصوت مسموع قبل أن يجيبها بهدوء ونبرة اعتيادية:
-اتوفوا من زمان، من بعد ما اتجوزت بكام شهر تقريبًا، وابويا مكنش له غير أخت واحدة، وعلاقتي مع أهل أمي مش قد كدا. شعرت بالصدمة تعقد لسانها تمامًا، عاجزة عن نطق المزيد، وتسقط في دوامة من الصدمة والاسئلة التي لا قرار لها، فلماذا كذبت عليها تلك السيدة وعقدت معها ذاك الاتفاق؟!
حاول عمر إجبار شفتاه على الابتسام وهو يقول:
-يلا اطلعي تصبحي على خير، عايزه حاجة؟ هزت رأسها نافية ولكنها كانت الأكثر فشلًا حين عجزت عن اصطناع ابتسامة مثله، فاكتفت بالتحدث بصوت يكاد يسمع:
-تسلم يا عمر، مع السلامة. وبالفعل تحرك عمر ليغادر، وابتعد قليلًا عن باب البناية، ولكنه وقف يتنهد وهو يحدق بالبناية بشرود، وكأنه يسألها بصمت.. فقط هكذا ؟ أ هذا اللقاء الأخير؟ تفاجأ بعدها بدقيقتين تقريبًا نوسين تخرج من البناية، وامارات الغضب تعلو فوق وجهها، عقد ما بين حاجبيه بتعجب، ولم يقدر على السيطرة على فضوله وتوجسه اللذان أجبراه على السير خلفها ومعرفة المكان الذي تذهب إليه..
حتى وجدها توقفت في مكانٍ ما، تفرك يديها بتوتر مفرط، ويبدو أنها تنتظر شخصًا ما… وبالفعل كان ظنه في محل، فقد تقدمت نحو سيدة ما، دقق النظر في تلك السيدة التي ظهر وجهها، وهنا شعر وكأن الأرض تُزلزل من أسفله، وهو يرى أخر وجه توقع رؤيته….. ****




