
كان الناس في مصر دايمًا بيقولوا إن الراجل بيثبت حبه بشغله وتعبه. وأنا صدّقت الكلام ده جدًا، لدرجة إنه لما ابني اتولد، حياتي كلها بقت شغل في شغل، ورديات طويلة، وكتاف واجعاني، ووعد صامت لنفسي وأنا راجع البيت تحت نور الشوارع الصفر.
أول شهر بعد ما هالة ولدت، كنت ببعت لماما ١٥الف جنيه كل شهر عشان تصرف عليها وتعتني بيها.
كنت ببعت الفلوس من غير تفكير، لأن في يوم ولادة ابني، في مستشفى حكومي في القاهرة، ومع ريحة المطهر في الهوا وهالة لسه بتترعش من ألم الولادة، ماما مسكت دراعي وقالتلي:بقلم منــال عــلي
“متقلقش، أنا هاعتني بهالة زي بنتي بالظبط.”
كنت عايز أصدقها. أي ابن بيتمنى إن الست اللي ربّته عمرها ما تأذي الست اللي بيحبها.
هالة كانت دايمًا هادية بطريقة بتخلي الناس تقلل من قوتها. صوتها واطي، صبورة، ومن الناس اللي تشكر الممرضات حتى وهي تعبانة، لكن أنا شفت اللي الولادة عملته في جسمها، وعرفت إن التعافي مش سهل.
الدكتور كان واضح جدًا قبل ما نخرج من المستشفى. هالة محتاجة راحة، أكل صحي، بروتين، لبن، شوربة، خضار، ورعاية مستمرة عشان جسمها يرجع لطبيعته وتقدر ترضع البيبي من غير ما
تنهار من التعب.بقلم منــال عــلي
سمعت كل كلمة كأنها وصية. كتبت تعليمات الدكتور في موبايلي، واشتريت الفيتامينات بنفسي، وكنت بدي لماما فلوس تكفي إنها تجيب أحسن أكل من غير ما تفكر في الأسعار.
كل صباح قبل الشغل، كنت بقف جنب السرير وأبوس جبهة هالة وابني نايم جنبها وسط البطاطين. كان وشها لسه شاحب من سهر الليل مع البيبي، لكنها دايمًا كانت بتبتسم وتقول لي ما تقلقش، والابتسامة دي كانت بتديني طاقة أكمل يومي.بقلم منــال عــلي
في نص اليوم، كنت بكلم البيت. وبالليل كمان لو هتأخر.
في أغلب الوقت، ماما هي اللي كانت بترد.
صوتها كان عملي جدًا، وكأنها مستغربة إني بسأل أصلاً، وكانت دايمًا تقول:بقلم منــال عــلي
“هالة أكلت خلاص”
“عملت لها شوربة”
“هي بتستريح دلوقتي، ما تصحيهاش”
وأحيانًا كنت بطلب أكلم مراتي، وماما كانت دايمًا عندها سبب:
هالة نايمة، هالة بترضع، هالة في الحمام، أو تعبانة ومش قادرة تتكلم.
كنت بصدق كل ده، لأن التعب بيخلي الراجل الطيب يثق زيادة عن اللزوم. كنت بشتغل ساعات أطول من أي وقت فات، وكل يوم أقول لنفسي إن التضحية دلوقتي هتأمن المستقبل.
والحقيقة إني كنت فخور
بنفسي. كنت فاكر إني ماشي صح.
فاكر إن الفلوس تعني حماية، وإن المسؤولية ممكن حد تاني يشيلها طالما النية كويسة… وده كان أكبر غلط هيدمرني بعدين.بقلم منــال عــلي
في يوم الظهر، الكهربا قطعت فجأة في الشغل. الماكينات وقفت، والأنوار رمشت، وخلال 10 دقايق قالولنا نمشي عشان التصليح هيطول.
لأول مرة من أسابيع، حسيت بفرحة غريبة شبه فرحة طفل. تخيلت وش هالة لما تشوفني رجعت بدري، وتخيلت إني أقعد جنبها والبيبي في حضني وهي تاكل بهدوء من غير استعجال.
وأنا راجع، عدّيت على محل واشتريت لبن مستورد الدكتور كان كاتبه. كان غالي، لكن كنت شايله كأنه دواء، لأنه في دماغي هو كده فعلًا.
كمان جبت عيش طازة وبرتقال وعلبة شوربة من مطعم قريب من الشغل. حسيت بسعادة غريبة من حاجة بسيطة جدًا كأنّي رجعت جزء من بيتي كان ناقص.
شوارع القاهرة كانت حر لما دخلت الحارة بتاعتنا. كلب بيهوهو من بعيد، وستارة جارة بتتحرك، لكن غير كده كل حاجة كانت هادية زيادة عن اللزوم.
باب الشقة كان مفتوح شوية لما وصلت. وده لوحده خلاني أبطأ، لأن ماما كانت دايمًا بتقفل كويس، وهالة مستحيل تسيب الباب مفتوح ومعاها بيبي.
دفعت الباب وأنا بنده:




