
”
هالة؟”بقلم منــال عــلي
صوتي اتردد بشكل غريب جوه البيت اللي كان ساكت بشكل مقلق.
مافيش رد. وبعدين سمعت الصوت.
صوت خفيف جدًا… حكّة معلقة في طبق.بقلم منــال عــلي
قربت ناحية المطبخ، وحسيت قلبي بيشد قبل ما أشوف أي حاجة. الهوا هناك كان ريحته غريبة… رز قديم وريحة حاجة بايظة.
هالة كانت قاعدة في ركن بعيد، منحنية وبتاكل بسرعة وإيديها بتترعش. حاضنة الطبق كأنها خايفة حد ياخده منها.
في لحظة، دماغي رفضت تفهم اللي شايفه. مراتي اللي دايمًا بتاكل بهدوء واحترام، دلوقتي بتبلع بسرعة ومن غير ما تمضغ كويس، ودموعها بتنزل وهي بتكتمها بإيديها.
“هالة…” قلتها، واتفزعت جامد لدرجة إن المعلقة وقعت.
قربت بسرعة وقعدت جنبها.
“بتعملي إيه؟”
قبل ما ترد، مددت إيدي وأخدت الطبق… ولما بصيت جواه، الدنيا سكنت.بقلم منــال عــلي
رز قديم متكتل، ومعاه عضم سمك ناشف ورؤوس سمك، وريحة وحشة طالعة منه.
الميلك اللي جبتُه وقع من إيدي على الأرض واتدحرج لحد ما وقف.
هالة مسكت الطبق بسرعة وخافت.
“من فضلك… متزعلش مني.”
الكلمة دي كسرت حاجة جوايا.
مسكت الطبق بهدوء وحطيته على الرخامة.
“ليه بتاكلي كده؟”
وبعدها…
كل الحقيقة بدأت تطلع واحدة واحدة.
(…) “ادّي حب… مش سيطرة.”
وأنا ماشي في الشارع راجع على البيت، كان قلبي تقيل، لكن في نفس الوقت كان جوايا إحساس غريب بالراحة. كنت أخدت أول خطوة لحماية عيلتي ومفيش حاجة، حتى توقعات ماما، كانت هتوقف قدامي.
هوا الليل كان أبرد شوية وأنا ماشي، وصوت المدينة البعيد داخل في أفكاري. ماكنتش قادر أبعد عن الإحساس اللي جوايا… ثِقل القرار اللي خدته، وحساسية إنه نهائي. كنت عارف في قرارة نفسي إنه الصح، لكن برضه كان جوايا إحساس بفقدان حاجة غالية… كأنّي بسيب جزء كان بيمثل أساس في حياتي.
لما وصلت قدام باب الشقة، وقفت لحظة آخد نفس عميق قبل ما أفتح.
البيت كان هادي… هادي زيادة عن اللزوم.
كنت متوقع هالة تستناني، لكن في سكون غريب ملفوف حواليا زي بطانية.
دخلت، والصمت ابتلعني بالكامل. كنت سامع صوت نفس ابني الهادئ جاي من أوضته، لكن مفيش أي صوت تاني. مشيت ناحية الصالة ببطء، وصوت خطواتي كان الحاجة الوحيدة اللي بتكسر الهدوء.
وبعدين سمعت صوتها.
“اتكلمت معاها؟”بقلم منــال عــلي
صوت هالة كان هادي ومليان تردد، لكن فيه قلق واضح.
لفّيت أبص عليها، لقيتها واقفة في الطرقة، عينيها فيها عدم يقين، كأنها مستنية حكم. شكلها—شاحبة ومتعبة—بس لسه ماسكة نفسها بقوة
هادية، خبط في قلبي جامد.
هزّيت راسي بهدوء.
“أيوه… اتكلمت معاها.”
ما اتحركتش في الأول، بس كانت بصالي مستنية أكتر. كنت فاهم هي عايزة تعرف إيه، لكن مش قادر أديها الإجابة الكاملة دلوقتي.
“قالت إيه؟” سألت بصوت واطي.
خدت نفس طويل، وسندت ضهري على الحيطة.
“حاولت تبرر… قالت إنها كانت بتحميني. وإنها خايفة عليا من إني أتدلّع أو أكسل.”
هزّيت راسي بعدم تصديق.
“وقالت إن الست بعد الولادة لازم تبقى متربية ومش لازم تاخد زيادة عن اللزوم… وإن لو اديتيها أكتر من اللازم هتضعف.”
هالة بصتلي، وملامحها كانت هادية بشكل غريب، كأنها بتستوعب الكلام جواها.
وبهدوء، قربت مني، ومدت إيديها لمست إيدي… لمسة بسيطة بس كان فيها أمان كبير.
“مش لازم تشيل كل ده لوحدك…” قالت بلطف.
“مش لازم تصلّح كل حاجة. إنت عملت كفاية.”
الكلام دخل قلبي مباشرة، كأنه بيهدي جرح مفتوح. بس ده ما مسحش اللي حصل.
“لازم أصلّح ده…” قلت بصوت مشدود.
“لازم أتأكد إنك إنتِ وابني في أمان. ومفيش حد هيعاملك كده تاني يا هالة.”
هزت راسها، وعينيها مليانة فهم.
“أنا عارفة… بس لازم نهتم ببعض. إحنا كفاية لبعض.”
الكلام ده شدني من جوايا. الحقيقة إن دي بقت عيلتنا دلوقتي.
مسكت إيديها وقربتها مني، ولما دخلت
في حضني، حسيت بإحساس قرار ثابت جوايا عمره ما كان موجود قبل كده.
وقفنا في الهدوء ده فترة طويلة، ولأول مرة من أسابيع حسيت إني قادر آخد نفسي طبيعي.
بعدها بالليل، حضرت لهالة الأكل بنفسي.
مش حاجة كبيرة—فراخ، رز، وخضار—بس كانت أول مرة أطبخ لها بعد الولادة.
الإحساس كان مختلف… مش مجرد أكل، لكن كأني بقدملها حب واهتمام ووعد إن اللي حصل ده مش هيتكرر.
هالة قعدت على الترابيزة، وعينيها لمعت وهي شايفة الأكل. خدت لقمة…
وبعدين لقمة تانية… ولما بصتلي، كان في نظرة دافية وجواها امتنان.
“دي أول مرة من فترة أحس إني رجعت لنفسي…” قالت بصوت متأثر.
“شكرًا.”
ابتسمت، ابتسامة حقيقية خفّت عن كتافي حمل كبير.
“متشكرنيش… إنتِ تستاهلي ده. تستاهلي حد يهتم بيكي.”
الليل كمل، والبيت حسّيت إنه رجع بيت بجد. قعدنا مع بعض، وابني بينا، ولأول مرة أدركت إن الأهم مش الفلوس ولا التضحية… لكن الحب والرعاية الحقيقية.
بس كنت عارف إن المعركة لسه ما خلصتش.
وماما عمرها ما هتتفهم القرار ده بسهولة.
لكن الخوف ده اختفى.
كنت أخدت قراري، وهقف وراه مهما حصل.بقلم منــال عــلي
وبعد أيام، الهدوء رجع بشكل مختلف… أهدى، لكن حساس. ماما ماجتش بعد المواجهة مباشرة، وكنت متوقع ده.
كل
يوم، هالة وأنا كنا بنبني حياتنا من جديد خطوة خطوة. كنت أخرجها كل ما أقدر—مشوار بسيط في حديقة، أو قعدة هادية في كافيه. وكل تصرف بسيط كان خطوة في طريق التعافي.
لكن الإحساس إن في حاجة لسه ممكن تحصل كان موجود.
وفي يوم… ماما جت فجأة.بقلم منــال عــلي
كنا قاعدين أنا وهالة في الصالة، وابني بيلعب على الأرض، لما الجرس رن. سكتنا لحظة، إحساس غريب مرّ علينا.
“أنا هفتح…” قالت هالة وهي تقوم بابتسامة بسيطة، لكن إيديها كانت بترتعش شوية.
ولما الباب اتفتح… كانت ماما واقفة.
شكلها كان مختلف. فيها تعب وهدوء مش مألوف.
دخلت، وبصّت لهالة، وبعدين ليا… وساد صمت تقيل.بقلم منــال عــلي
“جيت أتكلم…” قالت أخيرًا.
“ممكن أدخل؟”
دخلت وقعدنا كلنا في الصالة، الصمت بيننا كان زي فجوة كبيرة.
وفي النهاية، ماما بدأت تتكلم…
اعترفت إنها غلطت.
اعترفت إنها كانت بتحاول تسيطر مش تحمي.
واعتذرت.
الكلام كان تقيل… ومش سهل يتنسى.
أنا بصيت لهالة، وبعدين لماما، وقلت بهدوء:
“ده هياخد وقت…
مش هيتصلح في يوم وليلة.”
وماما هزت راسها:بقلم منــال عــلي
“فاهمة… وأنا هحاول أتغير.”
الاعتذار ده ما مسحش اللي حصل، لكنه كان بداية.
بداية حقيقية.
ولأول مرة، حسيت إننا ممكن
نرجع نبني من جديد… بس المرة دي بشروطنا إحنا، مش شروط حد تاني.




