Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
روايات

قربي من جوزك

لوهله لم ينطق وهو يستشعر مدى صدق الاجابة الباهتة التي توحي بماضي كريه، ولكنه لم يتراجع عن تهديدها علنًا بصوت أجش:
-صدقيني لو تعديتي حدودك معايا واقتحمتي خصوصيتي مرة تانية كدا، هتشوفي الظ\\لماللي بجد. ناطحته بعناد صلب:
-مابجيش بالتهديد على فكره. -امال بتيجي بإيه؟ ها ؟ سألها بخفوت شبه حاد، وهذه المرة اقترب اكثر من سابقتها، بل اكثر من اللازم حتى أوشك على محو مسافة الأمان بينهما، فأطبق قربه على دقات قلبها المس\\كينة يخنقها حتى فقدت اتزانها، وتثاقلت أنفاسها بينما تتراجع للخلف كلما اقترب اكثر..

حتى أوشكت على الاصطدام بعَلّاقة المناشف خلفها، والتي كانت مربوطة أطرافها بسلك رفيع حاد بارز، ودون تركيز منها كادت تلتصق به وينغرز في ظهرها.. ولكن قبل أن يحدث وضع عمر يده خلف ظهرها، تحديدًا بينها وبين العَلّاقة ليمنع اصطدامها بها بحركة تلقائية لم يفكر فيها، فأصبح الوضع كارثي أكثر.. فقد أصبحت “نوسين” شبه ملتصقة بصدره وذراعه يحيط بها، ارتعشت في استجابة فطرية، واحتكاكهما البسيط أجج بقلبها شعور لحظي غريب لم يباغتها سابقًا رغم سنوات عمرها الستة والعشرون، شعور لاهب كألسنة النيران، إن استمر ستذوب فيه كـ شمعة رقيقة..

ببنما عمر ما أن استشعر ملمس جسدها الغض حتى أحس وكأن ماس كهربائي سار أسفل جلده حارقًا إياه بقسوة الادراك… فانتفض مبتعدًا عنها على الفور وهو يتمتم بخشونة:
-مش تاخدي بالك من اللي وراكي! هزت نوسين رأسها، ورغم أن الكلم\ات كانت حاضرة داخل عقلها إلا أنها كانت مترنحة إثر اللحظات السابقة فلم تخرج للنور.. فاستدار عمر عنها وكاد يخرج، ليجد أمامه خالتها، تنقل نظراتها بينهما، ثم سألت:
-في إيه؟ هزت نوسين رأسها نافية وردت بصوت به بحة خفيفة:
-مفيش يا خالتي.

نظرت “ثريا” نحو الصورة التي لا زال عمر ممسكًا بها، فإلتقطتها من بين أصابعه بخفة ودون اذن، وتفحصتها وهي تسأله بفضول بزغ بحدقتيها:
-مين دي؟ كادت نوسين تصفق لها بحماس على جرأتها التي لم تتحل هي بها لتسأله عمَن تكون، ولكن التهليل الداخلي تحول لطنين قاسي سببه رده التالي الجاف:
-مراتي. ثم انتشل الصورة من بين يديها بهدوء وغادر وكأنه لم يفجر قنبلة مدوية للتو !
نظرت “ثريا” نحو نوسين والسؤال يبرق بعينيها بقوة، ولكن قبل أن يتولى لسانها مهمة تجسيده كانت نوسين توضح بربكة خفية:
-يقصد اللي كانت مراته يعني.

لم تهدأ ثريا بل تابعت استجوابها:
-أنتي اتجوزتي واحد كان متجوز قبل كدا؟ اومأت برأسها مؤكدة بلامبالاة:
-اه عادي يعني يا خالتي، ماهو أنا كبيرة برضو مش صغيرة، مش دا رأي كل الناس؟! ابتلعت صدمتها السابقة على مضض، ولكنها بدأت تلومها على غباءها البَيّن:
-طب هنعديها دي، ازاي بقا جوزك يبقى لسه شايل صورة مراته القديمة معاه؟ طالما لسه معاه يبقى أكيد لسه جواه حاجة ناحيتها يا غبية. ألا تعلم؟ فما رأوه لا يحتاج للكثير من التفكير لإدراك ذلك، ولكنها الان في مهمة أصعب تشغل بالها.. مهمة تفسير ذلك الوخز الرقيق بالضيق داخلها !

أضافت خالتها بصوت خفيض وكأنها تخبرها بمكان كنز ثمين:
-يا عبيطة عشان تحافظي على جوزك وتخلقي مكان ليكي في قلبه لازم تعملي اللي هقولك عليه. سألتها نوسين دون فهم:
-اللي هو إيه؟ اقتربت اكثر من اذنها وبدأت تهمس لها بنصائح جعلت وجنتا نوسين تتخضب وعيناها تتوسعان ببطء مصدوم..! **** بعد فترة…

توجهت “نوسين” للغرفة التي خصصتها خالتها لهما باعتبارهما زوج و زوجة، وكان عمر بها، ولكنها لم تطرق الباب عمدًا، بل دلفت ببطء وبرود، ثم جلست على الفراش تضع قدم فوق الاخرى وهي تخبره بصلافة:
-كرمًا مني بس هسيبك تنام هنا النهارده عشان خالتي م\اتشكش وهروح أنام أنا معاها، لكن من بكره هتطلع تنام في الاوضة اللي في السطوح وتتحجج بإنك لاقيت هنا شغل جديد مؤقت والشيفت بتاعك بليل. لم يتكلم عمر ولكن عيناه تعلقت بحركة قدميها، واهتاجت امواجه الزرقاء بغضب بسبب حركتها، ولكنها كانت تملك نصيبًا لا بأس به من العناد الذي جعلها تتجاهل نظرته..

فتحرك ليجلس جوارها، ثم قال بسخرية تخفي بين طياتها حفيف الغضب:
-اي اوامر تانية سيادتك؟ هزت رأسها نافية بنفس البرود:
-لأ، لما يبقى في هقولك. اقترب بوجهه من وجهها قليلًا، حتى أحست بهدير أنفاسه الغاضبة كحاله وهو يستطرد بخشونة:
-لما تقعدي قصاد حد أكبر منك اتعلمي تحترميه وم\اتحطيش رجل على رجل كدا. سألته بشيء من الاستهزاء:
-وأنت عرفت منين إنك أكبر مني؟ مش يمكن أنا الأكبر؟

وقبل أن يرد قاطعته بنفس النبرة المستفزة التي بدأت تتفجر قشورها الظاهرية لتبرز ما أسفلها من غيظ مغلول:
-أنا أصلًا ماعرفش عنك حاجة ولا أنت تعرف عني، وهنتكشف بسببك على فكره، بسبب إن حضرتك عاملي فيها صندوق أسرار. ثم اعتدلت بجلستها واستأنفت عاقدة ما بين حاجبيها:
-وازاي م\اتقوليش إنك متجوز، وفين أساسًا مراتك دي؟!

زرقاوتاه بدت في اللحظات التالية كبحر شديد الظلمة لم تشرق الشمس فوقه يومًا، فأحست نوسين أن السؤال لامس وترًا حساسًا داخله، خاصةً حين لبى استفسارها بنبرة خشنة عميقة و\\\فارغة:
-دي حاجة م\اتخصكيش، ياريت م\اتتقمصيش دور الزوجة وتكدبي الكدبة وتصدقيها، حاولي تتحكمي في فضولك شوية، لأني مش مُجبر أحكيلك حاجات خاصة. تنهدت نوسين بضيق ثم ماطلته بملل:
-على الأقل لازم نكون عارفين عن بعض المعلوم\ات السطحية العادية عشان الموقف اللي حصل من شوية مايتكررش. -اسمي عمر محمد عبد الحميد، عندي ٣٢ سنة، كنت شغال محامي، اتخرجت من جامعة حلوان.

ردد بنفاذ صبر وكأنه يؤدي مهمة واجبة عليه، فأومأت نوسين برأسها ولم تعلق، ليرمقها بنظرات مستنكرة وفي فحواها استفسار عنها:
-وحضرتك مش ناوية تقولي؟ بابتسامة سمجة منتصرة لأنه وقع في فخها ببساطة، تشدقت بنفس كلم\اته السابقة:
-حاول تتحكم في فضولك شوية لأني مش مُجبرة أحكيلك حاجات خاصة. أغمض عيناه بنفاذ صبر، ثم نهض وكاد يخرج من الغرفة لولا أن اوقفته بقولها الذي مَنت عليه به:
-اسمي نوسين عبد الرحمن مجاهد، عندي ٢٦ سنة، مكملتش تعليم بعد الثانوية عامة، وكنت شغالة في ورشة.

عقد ما بين حاجبيه متسائلًا:
-ورشة إيه؟ ردت ببساطة:
-ورشة ميكانيكة، صنعة إتعلمتها من أبويا الله يرحمه. ثم نهضت وهي تلوح له بيدها مرددة بمرح:
-يلا سلاموز. شيعها بنظرات حملت إعجابًا ببساطتها تسلل له ليتوهج بظلمة عينيه، متخطيًا حاجز الجمود لأول مرة، ولكنها لم تلحظه قبل أن ينقشع ويسيطر الظلام المتبلد على نظراته من جديد.. **** قفزت “نوسين” على الفراش الذي تنام عليه خالتها، فشهقت خالتها بفزع وهي تصيح فيها:
-إيه في إيه زلزال ولا إيه.

تمددت جوارها تدس نفسها بأحضانها ثم حركت كتفيها معًا وهي تدندن بمرح:
-إديني حنان من اللي أنا مش حاسه بقالي زمان. هدرت فيها بانفعال مغتاظ:
-دا أنا هاديكي قلمين على وشك، في إيه يا بت يا مسخوطة أنتي مش هتعقلي ابدًا. ضيقت نوسين عيناها وهي تغمغم بوداعة تراجيدية:
-أنا مسخوطة؟! دا أنا برقوقة حبيبتك يا خالتي. تأتأت ثريا وراحت تهتف بضيق زاجرة إياها:
-أنا عايزه أنام يا برقوقة روحي لجوزك يديكي الحنان. أصرت بابتسامة شقية:
-لأ ما أنا هنام معاكي النهارده وأنتي هتديني الحنان يا نبع الحنان.

-يابت أنتي هتفضلي خايبة لحد امتى؟ هو دا اللي وصيتك بيه؟ تشبثت نوسين بأحضانها وهي تهاودها:
-خلينا ننام بس دلوقتي، ومن بكره هركز على اللي وصتيني بيه جامد أوي. وبالفعل غطت خالتها بالنوم الذي كان يسيطر عليها، فيما بقيت نوسين مستيقظة والنوم يجافيها بينما الأفكار تتلاعب بعقلها، وتشرد في التحول الذي أصاب هيكل حياتها لتضحي على النقيض لما كانت عليه تمامًا. نهضت من الفراش، ووقفت جوار الشرفة تطلق بصرها على اللاشيء وتشرد فيه، إلى أن لمحت بعد قليل عدد من الرجال متجمعين سويًا ويبدو أنهم يبحثون عن منزل معين ويشيرون بأصابعهم نحو البناية التي يقطنون بها..

فاستقامت في وقفتها، وإتسعت حدقتاها وعَلت الإنذارات بعقلها وكأنه اصبح يخشى أي تجمع رجالي، هل هم نفس الرجال الذين يبحثون عنهم؟ ظلت تراقبهم لتتأكد من شكوكها، فوجدتهم يدخلون لمدخل البناية بالفعل..
حينها هبت راكضة بفزع نحو الغرفة التي ينام بها عمر و…………. ****

( نوسين )

الفصل الرابـع :

إنقضت عليه بينما يغط في سبات عميق، تهزه مسرعة بهلع وهي تناديه في إلحاح وكلم\ات مبعثرة كحالها:
-عمر، عمر قووووم، يخربيتك جايب راحة البال دي منين قووووم.

إنتفض عمر من غفوته بسبب مباغتتها، وبلحظة كان ذهنه فيها مفتقر لوعيه وادراكه؛ جذبها بقوة لتسقط على الفراش، وأحاطها بجسده من الأعلى دون أن يمسها، ولكنه كان قريب بشكلٍ كافٍ لتمتزج أنفاسهما معًا، في لحظة جديدة دونت في خانة الشعور غير المُفسر داخل كلاً منهما وبالأخص هي..

ظل

صدرها يعلو وينخفض بينما تلتقط أنفاسها بصوت مسموع، غير قادرة على قطع التواصل البصري غير المشروط بينهما..

وعمر للمرة الاولى تسنح له الفرصة لتأمل ملامحها الأنثوية التي تحمل جمال شرقي هادئ برقة ساحرة، وبشرتها كانت بيضاء تميل للون القمحي، ولكنها كانت صغيرة رقيقة تليق بعينيها البندقية التي تشابه عينا القطط مع رموشها الطويلة التي تهتز فاضحة إنفعالها العاطفي في لحظة قرب مباغتة، ثم شفتاها الصغيرة المرتعشة التي همست بإسمه في تلك الثانية تحديدًا قاطعة وصلة غرقه في المشاعر المتفجرة دون مقدم\ات:
-عمر!

كالعادة

ابتعد كالملسوع بعد أن مَنَّ عليه الاستيعاب متأخرًا، ثم زجرها بصوت خشن لا تدري بسبب تأثره ام النوم:

انت في الصفحة 7 من 14 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى