
**** أحضرت “نوسين” أكواب الشاي لهما، مدت يدها بالكوب لخالتها اولًا فأخذته شاكرة إياها، ثم عمر فعل المثل ولكنه بالطبع لم يفوت فرصة مضايقتها بسبب لسانها السليط، فرسم ابتسامة أبرزت أسنانه دون أن تتلون بالمرح، وقال بنبرة صبيانية بعض الشيء:
-تسلم إيدك يا أنسة برقوقة. إنتبهت خالتها للفظ “أنسة” الذي خانه وهرب من سج\ن التحفظ والحذر الذي يُقيمه عقله، فعقدت ما بين حاجبيها وكادت تنطق متساءلة، ولكن نوسين دعست على قدم “عمر” بغل سببه الظاهري خطأه العفوي أمام خالتها ولكنه في الحقيقة بسبب ذلك اللقب الذي تكرهه أكثر من أي شيء، وأردفت من بين أسنانها:
-الله يسلمك يا حبيبي.
فسارع عمر باغـ,ـتصاب ابتسامة زائفة على شفتيه، وردد بقليلٍ من التوتر وهو ينظر نحو خالتها كاتمًا الألم الطفيف في قدمه:
-بهزر طبعًا. أنقذه صوت طرقات على الباب، فتوجهت نوسين نحوه لتفتحه، تفاجأت امامها برجل في بداية عقده الثامن، يرتدي بذلة سوداء، وبين يديه باقة ورود حمراء، وعلى وجهه المُجعد ترتسم ابتسامة واسعة سعيدة، وجواره امرأة اصغر منه عمرًا، يتماثل فمها لابتسامة مشابهه للاخر، فهزت نوسين رأسها وهي تستفسر بهدوء:
-نعم؟ انتوا مين؟ تراجعت الابتسامة عن شفتيها قليلًا وهي تخبرها:
-أنا فوزية جارتكم، امال فين ثريا ؟؟
أشارت بيدها للداخل وهي تجيبها بينما عيناه لم تنزاح عن ذلك الرجل بشك:
-جوه، بس مين الاستاذ؟ -دا الاستاذ ممدوح العريس. للحظات لم تستوعب نوسين ما سمعته جيدًا، فرددت ببلاهه تلقائية:
-عريس! هي خالتي كانت لسه بتدورلي على عريس، بس أنا اتجوزت خلاص يا طنط. إنكمشت ملامح الرجل وكأن الحديث الدائر أصابه بالضيق، فيما اعترضت فوزية في حنق من غباء نوسين:
-بتدورلك إيه وأحنا مالنا بيكي، دا عريس ليها هي. إستعلمت من جديد بسذاجة أصابت عقلها فجأة وكأنه توقف عن العمل بسبب المفاجأة:
-هي مين؟
تأففت بنفاذ صبر:
-يوه! خالتك، هي فين ناديها كدا. ابتعدت نوسين من أمام الباب وهي تشير لهما نحو الداخل، وعقلها عاد من جديد يعمل ببطء في تحليل ما وقع على اذنيها، فاتسعت حدقتيها وفتحت فاهها وهي تغمغم لنفسها بعفوية متذكرة:
-اااه، اتاريها لابسة الحتة اللي على الحبل، وحاطالي روچ أحمر، وأنا اللي قولت دا السن وعمايله، طلعت مش سهلة ثريا دي. إنتفخت اوداج الرجل بغرور ذكوري وداعب بأصابعه خصلاته البيضاء المصففة بعناية، فانتبهت لهما نوسين وقالت بابتسامة مصطنعة مرحبة:
-اتفضلوا، العروسة جوه.
دلفا معًا نحو الداخل، فنهضت خالتها “ثريا” ترحب بجارتها وصديقتها بمودة:
-بنت حلال يا فوزية لسه كنت هقول لبرقوقة تناديكي. -تناديني إيه ما أنتي عارفة إن أحنا جايين.
أعلمتها فوزية متعجبة، لتسألها ثريا بتعجب لا يقل عن تعجبها:
-أنتوا مين، وجايين فين؟! مالت عليها تتشدق بعتاب خفيض أقرب للتوبيخ:
-يوه يخيبك يا ولية أنتي رجعتي تنسي تاني، طب لمي الدور حتى قدام الراجل. همست ثريا بفضول:
-راجل مين؟ لبت سؤالها الفضولي بهمس مماثل من بين أسنانها ضاغطة على حروفها:
-العريييس.
وكأن الادراك ضـ,ـرب عقلها كبرق في ليلة مظلمة ليُنيرها بغتةً، فبدأت وجنتاها تتورد شيئًا فشيء وهي تُنزل رأسها ارضًا وتفرك أصابعها بتوتر خجول، متابعة برقة فتاة في العشرين من عمرها وليست امرأة في عقدها السابع:
-اهلًا وسهلًا يا استاذ ممدوح، اتفضلوا. فتقدم ممدوح مبتسمًا وتودد لها:
-يزيد فضلك يا ست الكل. بينما نوسين تهز رأسها مراقبة اياهم بابتسامة بلهاء غير مصدقة وهي تردد بتأثر كاذب:
-يا حبايبي! ثم إنتبهت لعمر الذي كان غارق في الضحك، وكأنها تذكرت وجوده للتو، فاقتربت منه متسائلة بغيظ:
-أنت بتضحك على إيه؟
أجابها بحروف متقطعة من بين ضحكاته التي كان يحاول كتمانها:
-بصراحة أنا كنت مفكر إن أنتي بس اللي لاسعة، بس ماشاء الله طلعت العيلة كلها هوبا. ضمت ذراعيها لصدرها، وتلفظت بتبرم:
-نعمل إيه بقا في طيش الشباب اللي جايبلنا الكلام دا. استعار انتباههما صوت “ممدوح” الذي قطع همهم\اتهما الجانبية، بقوله الجاد الهادئ موجهًا حديثه لـ ثريا:
-أنا جيت النهارده عشان أطلب آآ…. قاطعته “ثريا” حين خفضت رأسها ارضًا من جديد، وتفوهت بحرج:
-لا لا م\اتتكلمش معايا أنا، أهلي وعزوتي أهم قاعدين، بنت أختي وجوزها، وفوزية زي أختي بالظبط.
نظرت نوسين صوب عمر مُحركة شفتاها بصوت يكاد يسمع وهي تضـ,ـرب على صدرها برفق في زهو:
-تربيتي. ثم تنحنحت وتشبثت بقناع الجدية وهي تحثه على المتابعة:
-اتفضل يا استاذ ممدوح سمعاك. كرر ممدوح كلم\اته متممًا إياها:
-أنا جيت عشان أطلب إيد مدام ثريا. أدت “نوسين” دورها على أكمل وجه حين تكلمت:
-والله يا ولاد انتوا فاجئتوني، بس انتوا عارفين إن مفيش احسن من توفيق راسين في الحلال. ثم هزت رأسها وأكملت بترفع به لمحة شقاوة:
-فـ سيبلنا وقت نفكر ونرد عليك يا استاذ ممدوح، بس طبعًا مش هنلاقي حد أحسن منك لبنتنا.
هنا تدخلت “فوزية” بابتسامة منشكحة:
-وأنا رأيي من رأي برقوقة. كزت نوسين على أسنانها بغضب داخلي، ثم جمجمت لنفسها بحروف ملكومة بالكيد:
-والله لولا إنك ست كبيرة بس، الله يسامحك يا خالتي. في تلك الاثناء كان حديث داخلي من نوع اخر يدور بعقل “عمر” الذي كان يتابعهم بصمت والابتسامة تُصر على التعلق بثغره رغم المرارة التي لازالت عالقة بجوفه، فمَن كان يصدق أنه سيتحول وضعه من شخص على حافة الانتـ,ـحار، لشخص يقبع وسط جلسة عائلية بنكهة كوميدية مرحة تجبر شفتاك على الخضوع لابتسامة حقيقية.
**** بعد فترة… خرجت “نوسين” من المطبخ، وكان المرحاض يقع في الردهة التي تسبقه، وكانت يداها مُبللة، فتوجهت نحو عَلّاقة المناشف الموضوعة امام المرحاض، وبدأت تجفف يداها، وقميص “عمر” الذي تركه حتى يُنهي اغتساله يقبع جوار المنشفة، اصطدمت يداها بالقميص بطريقة عارضة وهي تضع المنشفة، فسقط القميص على الأرض، وسقطت منه محفظة نقود عمر، كاشفة عن جزء من محتواها.. إنحنت نوسين لترفع القميص من جديد، ثم أمسكت بالمحفظة والصورة التي سقطت منها، لتجدها صورة لشابة جميلة في مقتبل عمرها، لم تمنع نفسها من تفحصها بشرود وهي تتساءل عن ماهيتها، وعن مدى أهميتها ليحتفظ عمر بصورتها معه دائمًا ؟!
فتح عمر الباب دون مقدم\ات فوقع بصره على “نوسين” التي تمسك بمحفظة نقوده في يد، والصورة في اليد الاخرى، فتوسعت عيناه بصدمة، ثم انتشلهما من بين يديها بعنف مزمجرًا فيها بنبرة متوحشة:
-أنتي بتعملي إيه؟! اربكتها المفاجأة ونجحت في سد بؤرة الردود داخلها، فبدأت تحاول تجميع شتات حروفها لتكوين اجابة مُقنعة:
-أنا آآ كنت آآ… ولكنه لم يمهلها الفرصة التي كانت فاشلة من الأساس، بل تابع بزئير ش\\رس وكأنها أخرجت الوحش الساكن داخله من مكمنه:
-أنتي مين سمحلك إنك تفتشي في حاجة تخصني؟
هزت رأسها نافية بسرعة تحاول نفي تلك التهمة عنها:
-لا طبعًا أنا مافتشتش في حاجة. فهز عمر رأسه باستهانة مشيرًا بعينيه نحو يدها ساخرًا منها:
-اه ماهو واضح، وإيدك تشهد عليكي. توقد احشائها بلظى الظ\\لمدفع حروفها المتلكئة دفعًا، فإندفعت بحدة:
-مش من حقك تتهمني لمجرد إنك شوفتها في إيدي، ما يمكن وقعت من غير قصد وأنا كنت بجيبها من الأرض. وبالطبع لم يصدقها بل واصل شن هجومه المتهكم عليها:
-اوووه، إيه الصدفة الجريحة دي؟ يعني مش فضولك مثلًا اللي خلاكي تفتحيها وتشوفي.
فسر لها عقلها حديثه باحتمالية ظنه أنها تهتم به شخصيًا، لذا تكلمت بغلاظة:
-أنت أخر واحد في الدنيا ممكن فضولي ياخدني إني أعرف عنه حاجة. ولم تعطه حقه الرد بل انتقلت دفة الهجوم إليها وهي تهدر فيه بحنق:
-وبعدين أنا اللي مفروض أشك فيك مش العكس خالص! -فعلًا؟! دا على أساس إن أنا اللي اقتحمت حياتك زي اعصار الستة ريختر؟ وصحيتي لاقيتي نفسك في بيتي؟ إنكمشت ملامحها وإرتفعت امارات الغضب عليها وهي تردف بندم واهتياج:
-منا لو أعرف إنك هترد جميلي بالطريقة دي كنت سيبتك يك\\سروا مخك المضلم دا مش مناخيرك بس.
اقترب منها عدة خطوات وعيناه تتواصل بصريًا مع فاهها، بنظرة أشعرتها أنه يود قـ,ـتلها وتمزيق لسانها، بينما يواصل من بين أسنانه:
-أنتي إيه، أنتي إيه بجد لسانك دا إيه مبرد! مابيقفش خالص. رغم تراجعها التلقائي إلا أنها انبأته بشجاعة تُحسب لها:
-وقف كتير وسكت على ظ\\لمكتير بس خلاص بقا كفاية. رفع حاجباه معًا غير مصدقًا يتلفظ بسخرية تجلت بين حروفه كعين الشمس:
-سكت على ظلم؟ استحلفك بالله لتقولي مين الجاحد اللي قدر يظلمك دا، عايز أعبرله عن شكري وامتناني.
اجابتها التالية كانت مقتضبة، ولكن المشاعر المكبوتة بين خلاياها كانت جمة؛ بعد أن حشدهم الأسى في كلمة واحدة:
-الزمن.




