
ثم خفتت نبرتها لتميل لنغمة مُظلمة تسرب منها الوج\\ع النفسي المُبطن:
-وبعدين دا طبعي، مابعرفش أعبر عن فرح او خوف او زعل إلا بالسخرية والهزار. صمتت برهه ومن ثم تابعت بالتواءة شب\ح ضحكة تهكمية مريرة:
-وماعنديش حد يبكي على الأطلال ورايا لو حصلي حاجة اصلًا. لم ينبس ببنت شفه، فقط عيناه الناعسة كانت ثابتة بتركيز على لون البُندق في عينيها والذي بدا له مُحترقًا في تلك اللحظات، يحاول سبر أغوارها..
فأثار الارتباك في نفسها، وهي تتساءل بغيظ داخلي كيف لعيناه أن تكون لها هذا التأثير عليها ؟ فهذه ليست المرة الاولى التي ترى فيها رجل بعيونٍ ملونة! تبًا له ولعينيه.
تنحنحت وهي تحك جبهتها، وتسأله مُغيرة مجرى حديثها:
-المهم خلينا في المهم، زمانهم مشيوا ارجع بيتي بقا صح؟ انتشلته المفاجأة من قاع أفكاره صادمة إياه بأرض الواقع بعنف، فصاح فيها:
-ترجعي فين هو أنا كنت واخدك دريم بارك؟ كل الأكشن اللي حصل دا مأثرش فيكي؟! أجابته صريحة:
-لا أثر بس مش اوي يعني. وقبل أن ينفجر بوجهها تشدقت مسرعة:
-وبعدين زمانهم مشيوا أكيد مش هيسيبوا كل اللي وراهم ويفضلوا يدوروا علينا. -الله أعلم، دول ناس مش سهلة ومينفعش الواحد يخاطر بنفسه معاهم.
-طب والحل؟
هز كتفاه معًا بقلة حيلة:
-مش عارف. سألته بحروف ساخطة وكأنها المُبتلى وليست البلاء:
-امال نجيب مين يعرف؟ قال والتبرم يتشبع حروفه:
-جيبي اللي خرجني من هناك وخلاني إنسحبت من الم\اتش ودا ممنوع وعرض نفسه وعرضني للخطر. زفرت بصوت مسموع ولم تنطق هذه المرة، فأضاف هو بشرود حائر:
لكن عارفة المُضحك إيه، إن اللي كنت بجري له من كام ساعة بس، هو اللي بجري منه دلوقتي. -هو إيه دا؟
-المـ,ـوت، كنت عايزه وبجري له بكل الطرق، لكن دلوقتي ماقدرش أسيبك لهم وذنبك يبقى في رقبتي.
هزت “نوسين” رأسها بنفاذ صبر، اليائس سيظل يائس مهما مرغت أنفه في وحل من التفاؤل!
ثم أردفت بنبرة ذات مغزى وهي تحرك يدها في محاولة لتهوية وجهها:
-أنا هتمشى خطوتين هنا أشم شوية هوا عشان كلامك طبق على نَفَسي جابلي ضيق تنفس. لم يُعلق بشيء وشرد يحاول تنظيم كم الأفكار المهتاجة التي جعلت من رأسه ساحة لتتطاحن فيها، وكذلك هي.. رفعت هاتفها لتتصل بأحدهم كأول خطوة أوحى لها عقلها أن تسير نحوها. **** بعد فترة صغيرة..
عادت له بملامح منتفخة منتشية بنصر لم يستطع عمر تخميين ماهيته، ثم سألته مباشرةً:
-لاقيت حل ؟ هز رأسه نافيًا بهدوء:
-لا للأسف. تابعت بنفس ذات النظرة التي شابهت الطاووس حين ينتفخ ريشه:
-أنا بقا لاقيت، تعالى ورايا.
-استني هنا، هو إيه اللي تعالى ورايا، هو أنتي سايقة جاموسة، ولا مديرتي في الشغل ولا حاجة؟ ضيقت عيناها وكأنها تقيمه ثم نفت برأسها:
-لا أنت م\اتنفعش. سألها ببلاهه لحظية دون استيعاب:
-مانفعش لإيه؟ أبقى جاموسة؟
-لا دي سهلة أي حد ينفع فيها، ماينفعش تشتغل عندي، أنت نايتي خالص، بونيتين نيموك ساعتين، دا أنت لو خبطت في مفتاح من اللي بنصلح بيهم بالغلط احتمال يجيلك ارتجاج في المخ. كاد يخرج عن طور التحضر والرقي الذي يحاول أن يسلكه معها منذ رآها، وشيطانه يوسوس له أن يتركها وسط هذا الظلام ربما يأكلها ذئب ويرتاح منها ومن لسانها. ولكنه حجم شياطين غضبه بسيطرة تُحسب له:
-هي الأخت شغالة إيه معلش؟ وكالعادة لم يسلم من سلاطة لسانها حين اجابته بفخر تطرف بالمرح:
-شغلانة لو اشتغلتوها تبقوا عُمد.
وقبل أن يتحدث قاطعته بصرامة زائفة:
-هنقعد نرغي كتير لحد ما يجي قاطع طريق يجيب أجلنا احنا الاتنين ونخلص؟! زمجر بنفاذ صبر:
-ياريت، يااارب سارت أمامه وهي تشير له بإصبعها مُحذرة بصوتٍ حازم وكأنها إندمجت في “فيلم الأكشن” و تحاول إتقان دور زعيمة العصابة:
-اسمعني كويس في اللي هقوله بقا عشان مش عايزه غلطة. إلى هنا ولم يحتمل، إنفجر غضبه وبحركة مباغتة قب\\ض على إصبعها بقوة وهو يهدر فيها بغل:
-بت، أنا ساكت وعاصر على نفسي شوال لمون من ساعة ما جمعتنا أقذر ساعة في تاريخ البشرية، فـ اقفي معووج واتكلمي عدل، م\اتختبريش صبري أكتر من كدا.
سحبت إصبعها مسرعة وكأنه سيلتهمه في التو، ورددت بنبرة بريئة منخفضة بعيدة كل البعد عن سابقتها:
-مالك بس يا أستاذ، خلي خُلقك استرتش شوية. رفع حاجبه الأيسر يتابع البراءة التي سارعت لتطفو على ملامحها وحروفها:
-دلوقتي بقيت أستاذ، ناس م\اتجيش غير بالعين الحمرا صحيح، قولي يلا الحل يا ست العاقلين. غمغمت بصوت مكتوم:
-اللهي تحمر لحد ما تبقى أكبر حمار. سألها بتحذير خفي:
-بتقولي إيه؟ عادت لذات البراءة المُستفزة:
-أنا؟ خالص مابقولش، أنا بس عندي سؤال بسيط خالص، ليه العين الحمرا؟ ليه مش الخضرا مثلًا او الصفرا؟ دا الأحمر لون كيوت.
احمرت عيناه بغضب شابه بركان على وشك الانفجار، فتمتمت مسرعة:
-غيرت رأيي، الاحمر لون زي الزفت. اخذ شهيق بصوتٍ عالٍ، قبل أن يهتف فيها بأخر ذرة صبر:
-قولي الحل. تشدقت على مضض:
-أنا ليا خالة عايشة في اسكندرية، لوحدها وعندها زهايمر، هنروح أنا وأنت نقعد عندها كام يوم، وهنقول إنك آآ…. سألها مترقبًا:
-إني إيه؟
فأجابت مسرعة وكأنها تخشى فرار حروفها الجريئة من حافة لسانها:
-إنك جوزي.
-نعم ياختي!
صاح بها مذهولًا، فراحت تبرر له:
-مفيش حل غير كدا، هي أصلًا بتنسى كتير ولو قولتلها إنك جوزي هتصدقني، وهنقول إن بيتنا حصل فيه حريقة فـ هنقعد عندها كام يوم لحد ما يتجدد، وأنت بليل هتبات في اوضة فوق على السطوح، كأنك في شغل، وطول النهار هتبقى معانا عادي، أصل احنا مش عايشين في امريكا عشان ادخل عليها وفـ إيدي واحد زي القمر واقولها هاي يا أنطي دا واحد صاحبي لسه عرفاه أمبارح، ولا الجيران يشوفوا واحدة شابة جميلة زيي جايه مع واحد غريب وحالي يتوقف، اينعم أنت كدا كدا هتوقفه بس مش مشكلة هبقى اقولهم اتطلقت.
كان متسع الحدقتين، والدهشة تغرق فيهما، متعجبًا من قدرتها على نسج الكذبات بمنتهى السهولة والذكاء! ثم لم يمنع نفسه من القول بتهكم:
-كاااات، هايل يا فنانة، أنتي موهبة مدفـ,ـونة في الإخراج. كانت ملامحها منعقدة في غضب طفولي بعض الشيء لأنه لم يقدر أفكارها العبقرية، فيما استطرد عمر بجدية وملل هذه المرة:
-هو دا اللي ناقص، إنك تورطيني في جوازة! -إيه يا عم توم كروز حد قالك إني همـ,ـوت وأتجوزك بجد، دي كذبة بيضة عشان مضطرين!
صاحت فيه مغتاظة، فضـ,ـرب كف فوق كفٍ وأضاف بحسم:
-لا بيضة ولا سوده، أنا مش هعمل الهبل دا طبعًا.
هنا استخدمت المسكنة الانثوية كأخر سلاح في يديها لمجابهته، وهو يتابعها بغير تصديق، يكتشف فيها مواهب متعددة اخرهم التمثيل البارع :
-لو يرضيك إنك تسيب أنثى وحيدة مكسورة الجناح للذئاب البشرية دول عشان ينقضوا عليها، وذنبها الوحيد إن مشاعرها الطيبة البريئة غلبتها وصعبت عليها وحاولت تنقذك، م\اتعملش الهبل دا وأمشي يا آآ.. ثم ضيقت عيناها متسائلة بجدية وكأنها انتبهت لشيء اهم الان:
-أنت اسمك إيه صحيح؟ اجاب بابتسامة مُظلمة ساخرة:
-عمر، عمر يا فنانة. فأكملت بأداءها الدرامي:
-امشي يا عمر، امشي.
هز رأسه نفيًا في قلة حيلة وداخله مؤيد لما تقول حتى وإن كان في ثوب السخرية، ومن ثم أخبرها بتهكم:
-لا أمشي إيه بقا، دا أنا لو مشيت بعد العرض المُبهر دا الفنانة ميرڤت أمين تيجي تقيم عليا الحد انتقامًا لتلميذتها الممتازة. **** في نفس المكان الذي يُقام فيه مباريات المصارعة.. وقف “سلطان” أمام مكتبه، ويداه ترتفع وتهبط ببطء ضاربة المكتب بحدة تنم عن تفاعل مشاعر الغضب والسخط داخله مع أفكار عقله الوليدة في كل ثانية تمر دون أن يجد “عمر” كـ شرارات ن\ارية كاد ينتج عنها إنفجار وشيك يدمر الأخضر واليابس…
فيما وقف ذراعه الأيمن ورجله المُخلص أمامه، يراقب ضـ,ـربات يده شاعرًا أن الضـ,ـربة التالية ربما تكون على وجهه هو ولكن بطريقة أكثر شراسة وقوة بسبب فشله! قطع سيل أفكاره صوت “سلطان” الذي كان هادئ هدوء ما قبل العاصفة:
-يعني مش بس فشلتوا إنكم تحافظوا على وجوده لحد ما يفوق من الاغماء، لأ كمان فشلتوا ترجعوه. فهز الاخر رأسه نافيًا، وحاول القول بثقة أثبتت حروفه المُلجلجة افتقارها حاليًا:
-كلها مسألة وقت بس يا سلطان بيه وهنلاقيه ونرجعه.
فاستدار “سلطان” نحوه متسائلًا بحروف تحوي بين ثناياها الكثير من المعاني:
-أنت عارف لو ملاقيتوهوش، أحنا هيبقى إيه وضعنا؟ اومأ برأسه مؤكدًا، فهو يحفظ قوانينهم عن ظهر قلب:
-عارف يا باشا، هتبقى مصيبة على الكل، لأنه كان مفروض يخسر ويمـ,ـوت او يكسب ومكافأة الفوز هتسكته، لكن دلوقتي ممكن يقول أي تفاصيل لأي حد عن اللي بيحصل هنا. هز سلطان رأسه مؤيدًا ما يقول، ثم أضاف عليه بما تُمليه عليه الاحتمالات:
-وكمان البت اللي خدته احنا منعرفش مين دي، وعرفت منين إنه هنا، أكيد في حاجة وراها خلتها تتصرف بالثقة دي وقتها.
وما أن أنهى كلامه حتى أشار بأصابعه في وجهه آمرًا بجمود:
-عايزه يكون قدامي في أقرب وقت وإلا م\اتلوموش إلا نفسكم على استهتاركم وفشلكم. **** بدأت الشمس تُولد من رحم الظلام شيئًا فشيء، لتبزغ بضوءها الخفيف الذي يعطي الجو مظهر يُسر العين وينثر الس\\كينة والراحة في النفس.. وصلا بعد فترة بسلام اخيرًا لمحافظة الاسكندرية، والتي لم تكن بعيدة كثيرًا عن موطن عيشهم، وتوجها نحو منزل “خالة” نوسين..
كان منزل متوسط يوحي بالحالة المتوسطة لأصحابه، بداية من بابه الرئيسي العملاق المكون من الحديد الذي غلب عليها الصدأ حتى دخلا معًا ليقابلا السلم الرخامي فبالرغم من حالته الجيدة إلا أنهما قابلا بعض الدرجات المكسورة فكادت نوسين تتعثر عدة مرات، مدت يدها تستند على العمود الحديدي المائل بجانبها إلا أنها لم ترمي كامل جسدها عليه بسبب تحذيره من خلفها:
-حاسبي عشان مش ثابت كويس. أومأت برأسها ثم تابعت الصعود للطابق الرابع وكانت أنفاسها هي تحديدًا منقطعة، لاحظت ثبات أنفاسه فانتشرت امارات الغيظ فوق وجهها ونطقت بعفوية:
-ماشاء الله مضروب ونَفَسك زي الاسد.
رمقها بامتعاض لتعبيرها الفج ثم تابع نظراته لباب الشقة الخشبي المتهالك بعض الشيء بتفكير فقطعته عليه بثرثتها كعادتها:
-على فكرة هي مش خالتي خالتي، هي بنت خالة أمي، المهم خالتي دي بقا الزهايمر شديد عليها شوية بعيد عنك، لكن رغم كدا أنا الوحيدة اللي عمرها ما تنساني، اصل أنا الغالية امال، دي كانت على طول تقولي آآ….




