
هز رأسه بحقد قائلًا: اه حرام لما يبقى أولاده الصبيان مش لاقيين ياكلوا ويبقى كله ليها يبقى حرام.
زفرت بهيرة ليتابع زيان قائلًا: لما تكذبوا وتقولوا دي فلوسها علشان تعلموها يبقى حرام.
تنهدت بهيرة بإستياء قائلة: أنت هتفضل طول عمرك ظالم قلت لما تتجوز هتعقل وتتربى من أول وجديد بس الظاهر مفيش فايده فيك.
وتابعت وهي تشوح بيدها بلا مبالاة قائلة: بقولك ايه صدق متصدقش أنت حر.
رد عليها بقوة قائلًا: مش هصدق علشان عمري ما حسيت منكم بحنية لا أنا ولا ناصر حتى من قبل ما تيجي وردة.
وتابع وهو يهز رأسه بضيق قائلًا:
عمركم ما نحتتم في الصخرعلشاننا.
نظرت بهيرة إلى الفراغ بشرود قائلة: أجمل حاجة ربنا بعتها ليا أنا وأبوك وعوضنا بيها عن جحودكم هي وردة.
وتابعت وهي توضح له معنى العوض قائلة: أنا وأبوك لو جاحدين عليكم خلي عندك ثقة أن ربنا هيعوضكم.
وتركته وهبطت إلى الأسفل تستعيد ذكريات اليوم الذي أبلغها فيه ناصر أنه قد رأى ماجد وعزمت من بعدها أن تهرب بوردة إلى أي مكان ولكن دون جدوى فمكان ناصر بدى معروفًا لدى ماجد وأخذ ماجد يتردد على المكان إلى أن علم مكان المنزل وكان يحضر حاله إلى الذهاب لهم قبل قيام والده بترتيبات زفافه ولكن شاءت الأقدار وحالت بينه وبينها من جديد حيث حدث له حادث في طريق عودته من شرم الشيخ هو ووالديه أسفر عنه موتهم عدا هو بقي بالعناية وحينها هاتف غزال وترجاه كثيرًا للذهاب إليه وكتب اعتراف بيده أنها ابنته ومناه ومليكته.الفصل الثاني
فلاش باك
كان
وردة تجلس على ركبتيها تستمع إلى الأنشودة في التلفاز: يا ليلة العيد أنستينا وجددتي الأمل فينا يا ليلة العيد.
لينظر إلى زوجته مبتسمًا متذكرًا تلك الليلة التي أتى فيها بوردة إلى المنزل ليمتلئ المكان بهجة منذ قدومها حيث أن هذا اليوم يختلف عن نظيره منذ خمس سنوات الآن هو يجلس مرتاح البال والخاطر وليس منشغل بعمله وزوجته في المطبخ ورائحة الطعام الشهي تتصاعد إلى كل الغرف، تصاعد رنين هاتفه برقم مجهول ليجيب قائلًا: ألو أيوه مين معايا؟
لتتسع حدقتا عيناه عندما استمع لصوت ماجد بعد كل هذه السنوات يرد عليه بصوت ضعيف قائلًا:
ألو عم غزال أنا ماجد بالله عليك ما تقفل السكة في وشي.
بالفعل كأنه شعر بغزال وأصبعه يمتد إلى مفتاح غلق المكالمه ليستطرد ماجد بضياع قائلًا: أنا بدور عليك بقالي فترة وما صدقت اني ألاقي ناصر وعطاني رقمك.
تنهد غزال و زفر بحنق غير مبالى بصوت ماجد الضعيف ليرد بجدية قائلًا: أيوه عايزايه يا ماجد وليه تاخد الرقم من ناصر.
و زاد من عصبيته وأفرط فيها مع ماجد فهو لم ينسى سلبيته وضعفه أمام والده: أنا مفيش بيني وبينك حاجة علشان تبقى مهتم توصل ليا بالطريقة دي أنا كنت مجرد جنايني عندكم.
هنا شهقت بهيرة ووضعت يدها على صدرها وأسرعت بإنتزاع الطفلة من على ركبتيه وأخذتها في أحضانها ودلفت بها إلى الغرفة كمن يهرب من شئ.
رد عليه ماجد بصوت ضعيف قائلًا: أنا عارف إني غلطت بس أنت كنت أحن عليها مني وحافظت عليها وربتها.
ضحك غزال بسخرية حيث ظن أن ماجد يمثل عليه دور الضحية وصلت إلى ماجد ضحكاته فتحامل على نفسه قائلًا: أنا كنت بدور عليك علشان أرجعها وأعترف بيها دي بنتي.
صمت غزال لا يطيق الرد على ماجد يشعر أنه يتلاعب لعلمه بوجود الفتاة يريد رميها بإحدى الملاجئ حتى لا تكبر وتكون وصمة عار له.
اعتصر ماجد صمت غزال بقلبه وردد ببكاء قائلًا: ده أنا ماجد يا عم غزال ده أنت اللي مربيني اه غلطت رغم أنك حذرتني بس الشيطان كان أقوى مني.
زفر غزال لما يتفوه بها ماجد ليشعر ماجد بالخزي و العار الذي دائمًا ما يشعر به عندما يتحدث مع غزال ليرد قائلًا: ده أنا خفت أقولك لأسقط من نظرك.
تنهد غزال مطولًا وردد قائلًا: أيوه يا ماجد مكنتش أعرف سبب طردهم ليها فكرت إنهم زي أي أهل خافوا لا ابنهم يغلط فطردوها.
توقف لبرهة يتذكر ما حدث والصدمة التي احتلت قلبه ليستطرد قائلًا:
إنما أكتشف إنها كانت حامل ده كان أكبر صدمة فيك.
إنتحب ماجد قائلًا: الحمد لله ربنا أخد حقها مننا كلنا أبويا وأمي اتوفوا في حادثة وهما رايحين يجوزوني بنت الحسب والنسب.
ثم نظر إلى الخراطيم التي تخرج من أنحاء جسده ليردف بحسرة قائلًا: وأنا ما بين الحياة والموت.
صدم غزال وتلهف على ماجد قائلًا: البقاء لله يا ابني متقولش كده إن شاء الله تقوم بالسلامة وتربي بنتك.
فرحة زارت قلب ماجد رغم أنه يعلم أنها لم تتم أما غزال كان يتحدث وقلبه يفرط من الحزن قائلًا: أنت أكيد عارف انها عندي وأنا مش هعزها عليك يا ابني.
ابتسم ماجد بإمتنان قائلًا: ده العشم برضه يا عم غزال المهم عندي دلوقتي إني عايز أشوفك وأشوف صورة منها قبل ما أموت.
جحظ غزال بعينيه وتسائل فيما بينه عن ما أوصل ماجد إلى هذه الدرجة يكفيه صورة فقط منها، ليستمع إلى ماجد وهو يقول: أنا عارف إنه صعب تسافر بيها.
كاد غزال أن يخبره أنه سيأتي بها معه ولكنه انتبه لبهيرة التي تقف بوجوم أمامه تهز رأسها بالرفض أن يأخذها إلى أي مكان فتنهد قائلًا: أنت كمان متعرفش ان بهيرة أصلًا مش هتسبها ليا ولا لأي حد.
تنهد ماجد بإرتياح لوجود امرأة تحتوي طفلته ولكن دق ناقوس الخطر برأسه عندما استمع إلى كلمات غزال وهو يقول: دي بتخاف عليها من زيان وناصر اللي هما يعتبروا أخواتها في السجلات.
هز ماجد رأسه بحذر فهو يعلم كل هذا من ناصر ورد بتفهم قائلًا: كنت متأكد إنها مش هتهون عليك أنت بجد عملت فيها معروف كبير.
ثم تعالت شهقاته قائلًا بحسرة: مش فيها هي بس عملت اللي أهلي كان المفروض يعملوه الله يسامحهم.
تمتم غزال قائلًا: الله يرحمهم يا ابني ادعيلهم بالرحمة هما كان ليهم تفكيرهم المهم ابعتلي عنوان المستشفى اللي أنت فيها.
انفرجت أسارير ماجد لقبول غزال طلبه ليستطرد غزال قائلًا: وأنا هحاول أوصل عندك بكره.
أعطاه ماجد العنوان ورد عليه قائلًا: توصل بالسلامة أمانة عليك تصورها قبل ما تمشي علشان أشوف بقى شكلها ايه.
ليعتصر عيناه ويكمل قائلًا: يمكن تكون دي آخر صورة تشوفها عيني قبل ما أموت.
أغلق غزال الهاتف وقام بالتقاط بعض الصور لوردة ويا ليته أخذها معه لترى والدها من المؤكد أن ذاكرتها لم تكن لتحفر هذا المشهد ولكن كان يكفي ماجد أن تكون هي آخر ما شاهده عيناه قبل وفاته فحتى تلك الرؤية الأولى والأخيرة لها، حرم منها.
ذهب غزال إلى ماجد بالمشفى ودلف إليه في الحجرة المخصصة له بعد أن أخبره الطبيب أنه أصيب بنزيف في المخ وتم تحديد العملية ولكن ماجد كان مصرًا على مقابلة غزال قبل دخول العمليات ربت غزال على يد ماجد كمن يربت على ابنه ولما لا وهو الذي قام بتربيته ولكن يبدو أن فقدان أهله للنازع الأخلاقي جعله ينجرف نحو ملذاته كان بيده الجهاز الذي يوضع به حقن المحاليل لكنه لم ينشغل بها وانتبه جيدًا إلى صور وردة التي بهاتف غزال وضع أصابعه على ملامح وجهها يتأملها جيدًا.
ليغمض غزال عينيه بألم قائلًا:
عارف يا ماجد أبوك الله يرحمه كان قاسي أوى قسى عليها وعليك ودلوقتي تفتكر في فرصة لتعويض القسوة دي؟
ابتسم ماجد ابتسامة مريرة وقال: معاك حق هو كان قاسي وأنا ظالم.
ثم استطرد وهو يتذكر أحداث هذا اليوم قائلًا: كان لازم أجي وراك وأخذها منك وأروح أدور على أمها و نتجوز وأشتغل وأنحت في الصخر علشان وردة.
ليختنق بعبراته فجأة عندما لمح طيفها يمر من أمامه وهي تلوح له يبدو أنها اشتاقت له وأنه آن موعد الرحيل حيث علم بإنتحارها ليلة أمس وهذا ما دفعه إلى عدم التركيز في قيادة السيارة ودفع به إلى الموت كأنه كان ينتقم من نفسه ومن والديه لأنهم المتسببين بموتها حيث علم أنها أنتظرت مختبئة خارج الحديقة وذهلت عندما وجدت غزال يخرج بها لتتأكد أن ابنتها ضاعت مثلها مشت في الطرقات وهي شاردة إلى أن اتخذت قرارها ووقفت أمام سيارة دفع رباعية لتدهسها كل هذا علمه ماجد من خلال فيديو أُرسِل له من رقم مجهول وكأن هذا الرقم يريد من هذه الرسالة أن
يجعله ينساها ويتقبل الأمر الواقع ويواصل حياته وها هي جائت الآن لتمنعه من مواصلة حياته وتخطف كل شئ فيه.
عاد غزال إلى منزله بعد يوم كامل يشبه الشيخ الكبير في هيئته وحمله الهموم نظرت إليه بهيرة بقلق وسألته بتوجس قائلة: حمد الله على سلامتك يا غزال.
لم يشأ أن يجيب عليها فقد نفذت طاقته لتتكاثر الأسئلة على لسانها قائلة: ايه اتأخرت كده ليه هو كان لازم يعني تبات بره؟ أنت عمرك ما اتعودت على كده وبعدين أنت متبهدل كده ليه؟
نظر إليها بغيظ لأنها تتحدث أمامهم ليستهزأ زيان قائلًا:
يا مرحب يا مرحب طب مش كنت تاخدني معاك نبلبط في مية شرم الشيخ أنا والواد ناصر.
ارتفع غيظ غزال من سخرية زيان ليزيد زيان من استهزائه قائلًا: وعلى الأقل كنا نتعرف على أبو السنيورة.
زفر غزال بحنق واستمر صمته ليسأله ناصر قائلًا: هو عرف منين إن البنت معاك، ومكانه فين الراجل الزبالة ده، وايه اللي صحى ضميره فجأة؟
تنهد غزال بتعب من كثرة الأسئلة وتلاحقها ليعقد ناصر ما بين حاجبيه قائلًا: وايه اللي خلاك تصدق انها بنته ما خوفتش يعني زي عادتك؟
كانت تلك هي الأسئلة التي كان يرفض غزال العودة إلى منزله بسببها ومع صمته المرير ابتسم زيان بسخرية قائلًا: بجد احنا كده عرفنا كل حاجة.
قطب غزال جبينه ليردف زيان قائلًا: أنت من ساعة ما جيت مفيش كلام ولا حلول للغز اللي ما صدقنا نخلص من صاحبته امتى بقى هتاخدها ترجعها؟
وضع غزال يده على رأسه بتعب وصرخ قائلًا: بسسسسس ايه مفيش رحمة مش شايفيني راجع هلكان من مشوار سفر؟
تفاجئ الجميع من صرخاته ليكمل قائلًا بغضب: وبعدين فهموني هي تعبتكم في ايه خمس سنين هااا؟ ده كله رزقها.
هز زيان رأسه بتصميم قائلًا:
مش عايزينها مش طايقينها مش أختنا ولا عمرها هتكون أختنا وبعدين ايه بتتكلم في ايه تاني؟
نظر إليه غزال بإشمئزاز ليستطرد زيان بضيق قائلًا: مش روحت تشوف اللي رماها كنت خدها ليه.
رد غزال عليه بمرارة قائلًا: ايه هاخدها أدفنها معاه؟ ما خلاص مات واندفن مع الأسف مات قبل ما يعترف بيها في السجلات.
علامات الاندهاش والصدمة بدت على وجوههم عدا بهيرة التي تراقص قلبها نعم تراقص رغم أن الحديث عن الموت يشق قلبها ولكنها لا تريد من أحد أن يقاسمها في وردة وما أن رآهم غزال بتلك الحالة حتى ابتسم بنصر قائلًا: يعني نصيبها تفضل مربوطة بأساميكم.
وضع زيان يده على رأسه قائلًا: كمان! هتفضل مربوطة بينا العمر كله ليه احنا ذنبنا ايه؟ أنت فاكرنا ملائكة وطبعًا مصاريف مصاريف صح؟
هز غزال رأسه باصرار ليردف زيان بحسرة قائلًا: دي لما بتتعب بتجيبوا الدكتور لحد هنا.
نظر غزال إلى بهيرة وجدها مسرورة نعم ذكره لوفاة ماجد يدمي القلب ولكنها ارتاحت لأن وردة ستظل بأحضانها فابتسم غزال قائلًا لها: شكلك دعيتي من جوه قلبك يا بهيرة بصراحة وضعه كان يقطع القلب وكنت ناوى يقوم بالسلامة وأعطيها له.
شهقت بهيرة كأنها حقيقة أمامها ليستطرد غزال بحزن قائلًا:
بس قدره بقى وعلى فكرة أبوها كتب لها شيك باسمي قبل وفاته بساعات وشاهد على ده محامي .
ثم استطرد وهو ينظر إلى أولاده باستهزاء قائلًا: يعني اطمنوا وردة من هنا ورايح هتعيش وتعيشنا كلنا بفلوسها.
اختفى الاختناق لدى ناصر وزيان عندما رأوا الشيك يلوح به غزال بالرغم أنه لم يظهره بالقرب من عيونهم حتى لا يروا اسم الأب كل هذا لا يهم بهيرة التي احتضنت وردة جيدًا وبعناية قائلة: أيوه دعيت من كل قلبي وردة تفضل معايا العمر كله.
هز غزال رأسه ليأس حيث أنه يوجهها مرارًا وتكرارًا ألا تدعوا على أحد لتهز رأسها تنفي ما يظنه قائلة: بس صدقني مدعيتش عليه ده كله تدبير ربنا يمكن لو كان أخدها مننا مكنش يعرف يعيشها زينا.
نظر إلى أولاده المتلهفين إلى الإمساك بالشيك ليحدثهم بخبث قائلًا: في حاجة هقولكم عليها طبعُا كلكم مفكرين ان الشيك هيتصرف وهجيب الفلوس بقى ونلعب بيها كلنا صح؟ لا يا حيلتها أنت وهو.
نهضت بهيرة واقترحت قائلة: ايه رأيك يا غزال تفتح بيه شركة مقاولات صغيرة.
هز غزال رأسه بتأييد الفكرة لتكمل حديثها قائلة:
ابن مدير المستشفى اللي بتشتغل فيها كنت سمعته بيقول إنه نفسه يشتغل مهندس في شركة مقاولات.
ابتسم غزال قائلًا: تمام يا بهيرة أصرف بس الشيك و أكلمهم ولو خير أبدأ المشروع أنا أخد المقاولة وهو ينفذها.
صفقت بهيرة بيدها لينظر غزال إلى وردة ويلاعبها قائلًا: ورزقي ورزقه على الله ورزق وردة كمان.
بداية المشوار عزيمة ومنتصفه جهد أما النهاية، فتكون إما مبشرة أو مزعجة كل بدايتنا تتلخص في العزيمة الأولى هل توجد أم لا؟
التعثرات التي نجدها في البدايات ما هي إلا مواقف إما نكمل من بعدها أو نقف نتحسر عليها كل الأباء والأمهات يتمنون لأولادهم عيشة هنيئة ولكن وفقًا لقوانينهم منهم من يتخذ سلاح الأخلاق ركيزة، ومنهم من يتخطى هذا السلاح في سبيل تأمين سبل العيش المرفهة يخلفون ورائهم أبناء يضيعون تحت مسمى العشق ليعيشوا العشق بقسوته لأنه بدون توجيه لا يزرعون الحب بداخلهم مثل ما يفعل غيرهم ولكن الذين يزرعون الحب بداخل أبنائهم ويربونهم على القيم والمبادئ والأخلاق بعضهم يواجهون أفة كبيرة ألا وهي الفقر ترى ما هي الخطوة التي ستحدث بعد ما كتب ماجد أمواله لوردة لتعيش مع غزال وبهيرة وناصر وزيان؟
هل سيتغير ناصر وزيان أم سيظلون على حالتهم البغيضة؟
باك




