
صمتت لحظة ثم أضافت بصوت أخفض قليلا
في تلك المحفظة لم يكن المال وحده. كانت هناك وثائق مهمة ونسخ أصلية لا يمكن تعويضها بسهولة وكانت هناك صورة. صورة لابنتي وأنا في يوم خاص جدا. حين أدركت أنها فقدت ظننت أنني فقدت شيئا لا يقدر بثمن.
ارتجف شيء في داخل خوليان عند ذكر كلمة ابنتي. فكر في لوبيتا. في رسمتها الصغيرة. في عينيها حين تسأله إن كان سيحضر مهرجانها. أحس فجأة أن المسافة بينه وبين هذه المرأة لم تعد شاسعة كما بدت في البداية.
ضم يديه أمامه وقال
كنت أفكر في ابنتي حين وجدتها.
فكرت في ما سأقوله لها لو علمت أنني احتفظت بشيء ليس لي.
ساد صمت قصير لكنه لم يكن صمتا ثقيلا. كان أشبه بجسر غير مرئي بدأ يتكون بينهما.
جلست القاضية ماريانا سالغادو ريوس وأشارت إليه بالجلوس. تردد لحظة قبل أن يجلس على الكرسي المقابل لمكتبها وكأنه يخشى أن يخل بتوازن المكان.
تحدثا.
تحدثا عن لوبيتا وعن المدرسة وعن خوف الأب حين يمرض طفله ولا يملك إلا الدعاء والانتظار. تحدثا عن الساعات الطويلة في المستودع عن الشاحنات التي تصل قبل الفجر وعن الأكتاف التي تؤلم في نهاية اليوم.
تحدثا عن الغياب عن أم رحلت ولم تعد وعن صمت يحاول أب أن يملأه بالحنان.
تحدثت هي أيضا ولكن بحذر. قالت إن المسؤولية لا تعني أن الإنسان لا يخاف وإن القرارات التي تصدرها من خلف مكتبها أحيانا تثقل صدرها طويلا. قالت إن القانون بلا ضمير يصبح قاسيا وإنها تحاول دائما أن تتذكر الإنسان قبل النص.
لم يدرك خوليان متى بدأ يشعر أن الكرسي لم يعد غريبا وأن الجدران لم تعد تضيق عليه. لم يعد يرى في نفسه مجرد عامل بسيط أمام قاضية بل أبا أمام أم إنسانا أمام إنسان.
انتهى اللقاء الأول بلا مفاجآت.
شكرته مرة أخرى وأبلغته أن بإمكانه الانصراف. خرج من المبنى بخطوات أهدأ من تلك التي دخل بها لكنه ظل يتساءل عن سبب استدعائه رسميا لمجرد الشكر.
مرت أيام قليلة.
ثم وصل استدعاء آخر.
حين رأى شعار المحكمة هذه المرة لم يشعر بالذعر نفسه. كان هناك فضول وربما شيء خافت من الطمأنينة.
دخل المكتب مرة أخرى واستقبلته ماريانا بالنظرة المتزنة نفسها لكن في عينيها هذه المرة بريق مختلف.
لم أستدعك لأشكرك مرة أخرى قالت مباشرة. استدعيتك لأنني أريد أن أعرض عليك فرصة.
نظر إليها غير فاهم وقد انعقد حاجباه قليلا.
نعمل حاليا على برنامج مجتمعي تابع للمحكمة يهدف لى دعم الأسر ذات الدخل المحدود وتسهيل وصولهم إلى الخدمات القانونية تابعت. نحتاج إلى أشخاص يعرفون الشارع يعرفون معاناة الناس ويملكون ثقة حقيقية في أعينهم.
توقفت لحظة ثم أضافت
وظيفة بساعات ثابتة. دخل مستقر. عمل كريم. ولن تضطر بعد الآن إلى اختيار العمل بدل حضور مهرجان ابنتك.
تجمد للحظة. لم يكن يتوقع أن تعرف عن المهرجان لكنه أدرك أنها استمعت إليه في اللقاء السابق باهتمام حقيقي.
لماذا أنا سأل بصوت خافت.
أجابته بنبرة صادقة
لأن أشخاصا مثلك هم من ينهضون بهذا البلد كل يوم حتى وإن لم يلتفت إليهم أحد.
لأنك حين لم يكن أحد يراقبك اخترت الصواب.
لم يستطع الرد فورا. شعر بحرارة تسري في صدره وصورة لوبيتا تومض أمام عينيه. لم يكن الأمر مجرد وظيفة بل اعتراف بقيمته بإنسانيته بقراره الصغير الذي لم يره أحد في ذلك الصباح.
غامت عيناه بالدموع. لم يكن يبكي من أجل المال ولا من أجل الوظيفة الجديدة بل من أجل ذلك الإحساس العميق الذي نادرا ما يزور القلوب المتعبة الإحساس بأن جهده لم يكن عبثا وأن صدقه لم يذهب هباء وأن العالم رغم قسوته أحيانا ما زال قادرا على أن ينصف من يختار الطريق الأصعب.
شكرا قال بصوت متهدج كأن الكلمات تخرج من صدره بعد رحلة طويلة. شكرا حقا.
لم يكن يعرف كيف يعبر أكثر. لم يتعلم في حياته عبارات كبيرة أو خطابات منمقة. كل ما عرفه هو العمل والصبر وتحمل المسؤولية. لكن في تلك اللحظة شعر أن كلمة شكرا تحمل وزن سنوات كاملة




