Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
روايات

قربي من جوزك



شعرت بأنوثتها وكرامتها ترفرف كطير مذبوح يلفظ أنفاسه الأخيرة، والدموع تتسابق لعينيها في سبق كان الأول من نوعه منذ رآها، ثم تشدقت بصوت مختنق بالبكاء:
-ما

أنت لما تصحى في يوم تلاقي أبوك م\ات وسابك وحيد، وسايب وراه ديون قد كدا أنت ماكنتش تعرف عنها حاجة، ومطلوب منك تسيب المنطقة وتختفي لإن الناس اللي مديناه لو لاقوك هيطالبوك بديونه دي، وتلاقي نفسك في الشارع ملكش حد ولا مكان، وقريبتك الوحيدة القريبة ماينفعش تجيلها لأنها يادوب ممشية نفسها بالعافية بالمعاش، وماقدامكش غير انك تسافر لأي حد قريبك حتى لو متعرفش عنه حاجة غير عنوان، وتشحت منه الشفقة وإنه يعطف عليك ويقعدك معاه، وحتى مش معاك شهادة تخليك تشتغل، ومش قدامك غير الصنعة اللي أبوك علمهالك قبل كدا كأنه كان حاسس، ساعتها هتبقى مُجبر تعجبك حياتك الجديدة وإلا هتتجنن

أو هتنتـ,ـحر.

شعور بالحقارة لنفسه لفح أعماقه، واشتدت قب\\ضة الندم الغليظة على قلبه حتى كادت تُدميه والاختناق يسيطر على كافة خلاياه…
فهي تقريبًا عانت من تقلب قدرها للكرب مثله، ولكنها كانت أقوى وأشجع منه، استبسلت في حربها مع الحياة لتنل منها ما يُبقيها ثابتة دون أن تنهار مثله..

لدقيقة تقريبًا لم يستطع النطق وكأن لسانه ملجوم بلجامٍ من ن\ار، حتى استدارت هي وكادت تغادر دون أن تضيف المزيد، ولكنه أوقفها مسرعًا يمسك بذراعها مرددًا أسمها لأول مرة:
-نوسين.. استني.

استدارت

له ببُندقيتاها اللامعتان بالدموع فرأى انعكاس صورته مشوشة فيهما وكأنهما تتهمانه، واستشعر وخز مؤلم بقلبه، فنطق اخيرًا بخفوت لم يدري كيف خرج حاني دافئ:
-أنا ماقصدش.

وعجز عن اضافة المزيد، ولكن إصبعاه وكأنهما إنفصلا عن عقله الصلد، فتحركا ببطء ليمسحان الدمعة التي تسربت مؤخرًا من عينيها، فشعرت بلمسته الرقيقة تربت على جرحها رغم أنه لم يعتذر..

ولكنها لم تجيبه ايضًا سوى بهزة رأس بسيطة، وغادرت لغرفة خالتها، بينما هو يتنفس بصوت مسموع، بالتأكيد لن يُحايلها لأجل خطأ غير مقصود.. بالنهاية هي لا تهمه كما لا يهمه أي شيء في الحياة.

****

اليوم

التالي…

وكما توقع “عمر” لم يحظَ سوى بالتجاهل التام من “نوسين” التي تعرب بالصمت عن جرحها منه الذي لم يندمل..

كانوا جميعهم متجمعين أمام التلفاز بقانون صارم من قوانين “ثريا” التي أصرت على تشديد أواصر المحبة بينهما رغمًا عن أنفيهما..

لاحظت نوسين التي كانت صامتة كثيرًا بغير عادتها الثرثارة، وعدم توجهيها أي حديث لعمر الذي لم يحاول جذب أطراف الحديث معها من الأساس، فاستنتجت دون عناء أنهما على خلاف..

لذا قطعت الصمت البائس بصوتها الهادئ تهتف في نوسين:
-بقولك يا برقوقة.

نظرت

نوسين نحوها متسائلة بهمهمة خافتة:
-نعم يا خالتي؟

-ما تنزلي تجيبيلي شوية حاجات من السوق.
طلبت بهدوء وبراءة ظاهرية بينما المكر الأنثوي يلمع بحدقتيها، فأومأت نوسين برأسها موافقة في طاعة:
-حاضر هقوم ألبس.

وبالفعل نهضت لترتدي ملابسها، فاقتربت ثريا من عمر الذي كان جالس يشاهد التلفاز بملل ويحمل بين يديه طبق “الفشار” يلتقط حباته دون اهتمام ظاهريًا بما يُدار من حديث بينهما..

ثم سألته بنبرة حملت شيء طفيف من الاستنكار:
-هو أنت مش هروح مع مراتك؟

سألها متظاهرًا بعدم الفهم:
-اروح معاها فين؟

-السوق،

هتسيبها تروح لوحدها وهي حلوة كدا، أحسن حد يعاكسها يا ولا.
حثته بنبرة كاد مغزاها يُضحكه؛ إن علمت أنه بالأمس فقط كان يشكك في أنوثتها ستقتـ,ـله حتمًا !
ثم… مَن تلك التي يتعرض لها احدهم؟ نوسين اخر فتاة يتخيلها تتعرض لمضايقات ولا تقـ,ـتل صاحبها.

ولكنه على عكس كل ما يدور بخلده كان يهز رأسه مؤكدًا بابتسامة كاذبة:
-هروح معاها طبعًا.

وبالفعل، نزلا معًا من المنزل، فقالت نوسين ببرود ما أن اصبحا بالشارع:
-خلاص روح أنت بقا أي حتة.

نظر

عمر لأعلى حيث شرفة منزل خالتها، وكما توقع وجدها تقف فيها مراقبة إياهم، فابتسم لها وهو يهز رأسه، ثم عاد يوجه بصره نحو نوسين متشدقًا:
-خالتك شايفانا في البلكونة، يلا هروح معاكي وخلاص.

وها هي نوسين تشتري بعض الخضروات من احد البائعين، بينما هو ينتظرها بعيد قليلًا عن زحمة النسوة او الاحتكاك بهم..

-بكام الأوطة دي يا حاج؟
سألت نوسين البائع وهي تتفحص الخضروات بحرص كما أوصتها خالتها، فأجابها بعبث وهو يشير بعينيه لباقي النسوة في السوق:
-الكيلو ونص بعشرة للغفر دول، لكن الاتنين كيلو بعشرة للحلوين اللي زيك.

صاحت

نوسين بسخرية:
-دا إيه التبذير دا ! تبذير في نص كيلو مرة واحدة، دا حتى المبذرين اخوات الشياطين يا حاج.

قال بأسلوب فج وعيناه تمشطها من رأسها لأخمص قدميها:
-دا مش تبذير دا كرم مني، أصل أنا راجل ومعلم وبقدر الجمال أوي، ولما يكون قدامي حتة طرية بالجمال دا لازم أقدرها كويس أوي.

شهقت “نوسين” شهقة طويلة مُلحنة وهي تهتز بجسدها في حركة بطيئة مدروسة، وهبت كلم\اتها كالأعصار بوجهه:
-جمال دا يبقى جوز خالتك، بقا أنا محترماك وعمالة أقولك يا حاج يا حاج، وأنت راجل قليل أدب.

في

تلك الاثناء كان عمر شارد الذهن حتى اخترقت مسامعه شهقة نوسين العالية، فتوجه نحوها على الفور، ليجدها في حالة هياج ش\\رس، وما أن اقترب منها، حتى أخذت تربت على صدره بفخر وهي تصيح:
-اهو جه، جه اللي هايمـ,ـوتكوا، راجلي اللي هايجيبلي حقي.

تنحنح عمر وهو يتفحص بعينيه الرجل الذي كان سمين الجسد بشكل مبالغ به، ومن حوله الصبية الذين يعملون معه والذين تأهبوا للعراك.
وتحدث بنبرة خفيضة بالتواءة شفاه شبيهه بابتسامة سمجة ظاهرية:
-استهدي بالله كدا يا حبيبتي دا الصلح خير.

حين

وعى الرجل للأناس الذين بدأوا في التجمع، حتى التجأ لمقولة “افضل وسيلة للدفاع هي الهجوم” وهدر فيهما بحدة:
-ما تلمها طالما هي تخصك بدل ما هي طايحة في خلق الله كدا.

ونوسين بالطبع لم تصمت بل زأرت بوجهه بعنفوان:
-أنا برضو اللي طايحة في خلق الله ولا خلق الله اللي زيك هما اللي مشافوش بربع جنية تربية.

-والله ما في حد غيرك مشافش رباية يا قليلة الأدب.
إنفجر يسبها بصوت أجش عنيف، فاتسعت عينا نوسين صدمة من وقاحته المفرطة:
-بيتحر\\ش بيا وبعدين يشتمني! لا دا أنت عايز اللي يربيك بقا.

في

نفس اللحظات إنقض عمر عليه يلكمه بعنف، يُربيه كما قالت، وغضب أهوج تفجر بين أوردته بعد أن سمعه يسب مصيبته “برقوقة” ، فلا يحق لأي شخص سواه أن يسبها او يُعنفها، فما بالك بالتحر\\ش!

ازداد اهتياجه مع فشله في تحديد منبعه، ولكنه كان أكثر من كافٍ ليح\\\رق الأخضر واليابس، ونيران هوجاء لا تخفت بل تشتد اتقادًا؛ نيران التملك التي لم يكتشف وجودها سوى بعد أن شعر بلسعاتها الضارية.

اخيرًا إنتهت المعركة على خير ولم تتسبب بأضرار حقيقية لأي شخص سوى لذاك البائع اللعين بإصابات بالغة بوجهه، لتظل ذكرى تذكره دومًا بشناعة فعلته.

تتذكر

جيدًا كيف أن صبية المعلم أرادوا التدخل، ولكنها منعتهم بمساعدة باقي رجال الحارة، وهي تهدر في وجههم بسخرية:
-واحدة واحدة كله هياخد نصيبه، بس ٣ على واحد مش رجولة!

****

بعد فترة…

حين كانوا في منزل “ثريا”، سمع عمر الذي كان يجلس في الصالة أمام التلفاز، صوت طرقات عنيفة بعض الشيء على الباب، فعقد ما بين حاجبيه بتعجب وهو يقول:
-ثواني.

نهض بخطى متعجلة نوعًا ما، ثم فتح الباب ليجد رجل عريض وقوي البنيان، سأله بجدية:
-مين حضرتك؟

انت في الصفحة 9 من 14 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى