
ضرتي كانت بتعامل أولادي كأنهم ضيوف في بيت أبوهم لحد اليوم اللي ابني قال فيه جملة واحدة قدام العيلة كلها
معلش يا حبيبي العصير ده لعيالي و بس.
الجملة دي سمعتها من ضرتي وهي بتسحب الكوباية من إيد ابني الصغير قدام عيني.
ساعتها ما اتكلمتش.
ولا عملت مشكلة.
لأنها كانت دايمًا تعرف تلبس كلامها شكل الأدب والذوق.
قدام جوزي تقول
أنا بحب أولادها زي أولادي.
وقدام الناس تقول
دول حبايب قلبي.
لكن أول ما الباب يقفل
كان أولادي بيتحولوا لضيوف في بيت أبوهم.
الأكل الحلو لأولادها.
الهدايا لأولادها.
حتى أوضة الألعاب اللي جوزي عملها لكل العيال، كانت بتعتبرها ملك خاص لأولادها.
وابني عمر كان ساكت.
ساكت بشكل خلاني أفتكر إنه مش واخد باله.
لحد يوم عزومة كبيرة عند حماتي.
العيلة كلها كانت متجمعة.
والكل بيضحك ويهزر.
وفجأة حماتي قالت قدام الناس
أهو أهم حاجة إن كل العيال عندنا واحد.
في اللحظة دي
ابني عمر حط المعلقة من إيده.
وبص لضرتي.
وبعدين قال جملة واحدة بس.
جملة خلت الضحك يختفي من على وشوش الكل.
قال
لو إحنا كلنا واحد ليه طنط بتقولنا كل مرة إننا هنمشي ونرجع بيتنا، وأولادها هما اللي قاعدين في بيتهم؟
الصالة كلها سكتت
الصالة كلها سكتت. الضحك اللي كان مليء المكان قبل ثوانٍ اختفى فجأة، وكأن التيار الكهربائي انقطع عنه. الكلام توقف في الحلوق، والملاعق نزلت ببطء من الأيدي، وكل العيون اتجهت فوراً لابني عمر، اللي كان لسه واقف بثقة غريبة على سن العشر سنوات، وعينيه بتلمع بجدية وبراءة في نفس الوقت.
ضرتي سلوى، اللي كانت دايماً تلبس قناع اللطف والحياء قدام الناس، اتلون وجهها فجأة، وتحول لونه للأحمر ثم شحب بسرعة، وكأن الدم انسحب من عروقها. تجمدت مكانها، ومسكت كوباية العصير اللي كانت في إيدها بقوة لدرجة إن مفاصل أصابعها بقت بيضاء، وحاولت تبتسم ابتسامة باهتة مرتعشة، لكنها طلعت مكشوفة ومتوترة جداً.
حماتي، اللي كانت دايماً تحاول تحافظ على جو العائلة الهادئ، فتحت فمها من الصدمة، وبصت لابنها كمال، ثم لسلوى، ثم لعمر، ومش عارفة إيه تقول. جوزي كمال، اللي كان قاعد جنبي على الأريكة الكبيرة، التفت بسرعة كأن صدمة كهربائية ضربته، وبص لولده، وبعدين رفع عينيه وبص لسلوى بنظرة ما شفتهاش من قبل، نظرة فيها استغراب، وحيرة، وبداية غضب مكتوم.
سلوى حاولت تكسر حاجز الصمت الثقيل، وقالت بصوت عالي شوية ومتقطع،
عشان تحاول تغير مجرى الكلام إيه الكلام ده يا عمر؟ إنت بتقول إيه؟ أكيد فاهم غلط، ولا حد قالك كلام مش مضبوط، إيه اللي جابلك الأفكار دي؟
لكن عمر ما سكت، ولا تراجع، ولا خاف من نظرات الكل. كمل كلامه بهدوء ووضوح، وكل كلمة بتخرج منه كأنها سكين بيوصل للقلب مباشرة، وبيكشف حقيقة كانت مخبأة وراء ستار المجاملة لا يا طنط، مش فاهم غلط. أنا بسمع وبشوف بعيني.
إنتي كل مرة نيجي نزور بابا في البيت، بتقولي لنا بعد شوية خلاص كفاية لعب دلوقتي، عايزين نمشي نرجع بيتكم عشان ماما تقلق. وكل ما نمد إيدنا ناخد حاجة حلوة، أو نلعب بلعبة جديدة، بتقولي لنا ده لأخواتكم دول، إنتوا عندكم في بيتكم ألعاب وأكل أحسن منه. وحتى لما بابا اشترى دولاب الألعاب الكبير ده وقال إنه لكم كلكم، بعدين شفتك قفلتي عليه بالمفتاح وقلتي لولادك بس العابكم موجودة هنا، مفيش حد يلمسها غيركم.
رفع إيده الصغيرة وأشار للكوباية اللي كانت في إيده قبل ما تسحبها منه، وكمل بصوت بدأ يرتجف شوية لكنه بقي واضح وده العصير دلوقتي، قلتيلي إنه مش ليا، وقلتي العصير ده لعيالي وبس. فإزاي تيتة تقول دلوقتي إننا كلنا واحد؟ لو إحنا فعلاً واحد، ليه فيه حاجات
لهم بس، وحاجات إحنا مش بناخدها؟ وليه دايماً الكلام إننا نرجع بيتنا، وبيتهم هو هنا؟
الدموع بدأت تلمع في عينيه، لكنه حاول بكل قوته يمسك نفسه وما يبكي، وقال بصوت مليان ألم بريء أنا مش عايز حاجة غير إن أحس إن لي مكان هنا، مش بس زيارة بيجي ويخلص، ويروح مكان تاني.
الصمت استمر لثوانٍ طويلة، ثوانٍ حسيت فيها كأنها ساعات، ومحدش من الحضور عارف إيه يقول أو إيه يرد. الأقارب والجيران اللي كانوا مجتمعين، كانوا بيبصوا لبعض بنظرات متفهمة، وكل واحد فيهم بيلاحظ إن اللي قاله الطفل ما كانش كلام طفل، بل كان وصف دقيق لشيء كانوا بيلاحظوه من فترة طويلة لكن محدش تجرأ يتكلم فيه.
كانوا يشوفوا الفرق في المعاملة، لكنهم كانوا بيفضلوا السكوت عشان ما يسببوا مشاكل، أو يقولوا إنها طبيعة البشر، أو بنت زوجة مش هتكون زي الأم. لكن كلام عمر فتح الباب لكل الحقائق المكتومة.
سلوى حاولت تبرر موقفها، وبدأت تتكلم بصوت أعلى شوية عشان تقنع الناس ده كلام أطفال بيفهموا الأمور بطريقتهم الخاصة! أنا بحبهم زي ما بحب عيالي، والله ما فرقت بينهم أبداً.
بس أنا خايفة عليهم، خايفة يكسروا الأشياء الغالية، أو يأكلوا أشياء تضرهم، فبقول
لهم الكلام ده عشان مصلحتهم، مش عشان أفرق بينهم!لكن حماتي، اللي كانت لسه مصدومة، قاطعتها بهدوء وحزم، وقالت لا يا سلوى، اللي بتقوليه مش منطقي. الخوف مش بيخليك تحسي الطفل إنه غريب، ولا إن البيت مش بيته. لو كان الأمر كده، كان الكلام عام ومش موجه لهم بس. الطفل عمره ما يكذب، وكلامه واضح، وبيشوفه بعينه كل يوم.
وبدأت نادية، بنت عم جوزي، تتكلم بهدوء وصراحة قدام الكل في الحقيقة، أنا كنت لاحظت كده من فترة طويلة.
كل مرة نيجي نزوركم، بنشوف إن الأكل الحلو، والهدايا الغالية، والألعاب الجديدة، كلها بتكون موجودة لولادك، وهم بيتعاملوا معاملة ضيوف بييجوا ويتعشوا ويمشوا، مش إخوة لهم نفس الحقوق. وكنت بقول في نفسي ليه كده؟ لكن ما حبيت أتكلم عشان ما أسبب مشاكل.
وكمل عم سيد، عم جوزي الأكبر، كلامه بجدية والأصعب من كده إن ده بيحصل قدامنا، قدام الناس، فما بالك بيعملوا إيه معاهم لما يكونوا لوحدهم؟ الطفل لما يحس إنه مش مرتاح، ومش آمن، بيحس بالفرق حتى لو ما تكلمش، ولما يتكلم بيقول الحقيقة الصافية اللي مش مغطاة بكلام معسول.
وش سلوى بقي أحمر من الخجل والغضب، وعرفت إن القناع اللي كانت بتلبسه قدام الناس انكسر تماماً، وإن كل الحضور عرفوا الحقيقة اللي كانت بتحاول تخبيها لفترة طويلة.
جوزي كمال، قام من مكانه ببطء، وكان واضح عليه إنه متأثر جداً ومصدوم، وقرب من عمر، وحط إيده على كتفه بحنان، وبص في عينيه وقال بصوت دافئ لكنه حازم إنت متأكد من كل كلمة قلتها يا ابني؟ ده اللي بيحصل معاكم فعلاً كل مرة تيجوا هنا؟
هز عمر رأسه بثقة، وقال أيوة يا بابا، أنا مش بحب أتكلم عشان ما أزعلك، ولا أسبب مشاكل، بس
لما قالت تيتة إننا كلنا واحد، حبيت أقول الحقيقة عشان تعرفوا إيه اللي بيحصل.
التفت كمال فوراً لسلوى، وبصلها بنظرة ما شفتهاش من قبل، نظرة فيها خيبة أمل كبيرة، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل قوة كبيرة يعني كل الكلام اللي كنتي بتقوليه لي في البيت، وإنك بتعامليهم زي أولادك، وإنك مش بفرقي بينهم، ده كان مجرد كلام؟ وإنهم في الحقيقة مش حاسين بالأمان، ولا بالانتماء، وبيحسوا إنهم ضيوف في بيتي أنا؟
حاولت سلوى ترد عليه، وقالت كمال، أرجوك افهمني، هم عندهم بيت آخر، وأمهم، وطبيعي إنهم يحسوا كده، وده مش معناه إني بكرههم أو بظلمهم!
وقمت أنا وقتها، وبصيت لها بهدوء وثبات، وقلت بصوت واضح يسمعه كل الموجودين البيت اللي بتتكلمي عنه هو بيتي أنا، ومكان إقامتي، لكن البيت ده هو بيت أبوهم، وده حق طبيعي لهم، مفيش حد يقدر ينكره. هم مش ضيوف، هم أصحاب أصل في هذا المكان، وإنك تحسيهم كده، ده خطأ كبير جداً، وبيؤذي مشاعرهم بطرق مش ممكن نحسبها.
التفت جوزي للكل، وقال بصوت عالي عشان يسمعه الجميع أنا كنت غافل، أو بالأصح كنت عايز أصدق إن كل شيء تمام، وإن الحياة هادية، ومش عايز أشوف العيوب عشان ما نختلف. لكن كلام ابني فتح عيني، وخلاني أشوف الحقيقة بوضوح.
لو كانوا بيحسوا بالراحة، وبالمساواة، ما كانش عمر قال الكلام ده قدام الناس كلها، ولا كان بيحس إنه محتاج يشرح موقفه.
قرب مرة أخرى من عمر، وحضنه بحنان، وقال له بصوت دافئ إنت ابني، وده بيتك، ومفيش حد في الدنيا كلها يقدر يقولك غير كده. وأنا وعدك من اليوم ده، إنك وإخوتك هتحسوا إنكم أصحاب المكان، وليكم كل الحقوق زي
أي حد تاني.




