
وقفت عند الباب
لأول مرة من سنتين هفكر في نفسي شوية.
بس آدم
هنا قلبي وجعني لأني بحب حفيدي، لكن الحب مش معناه أسمح لحد يدوس عليا. قلت بهدوء
آدم حفيدي وهفضل أحبه طول عمري لكن أنا مش مربية عندكم. ونزلت.
الأيام الأولى كانت صعبة. كنت متعودة أصحى على صوت آدم، متعودة أركب المواصلات كل صباح، متعودة أعيش حياتي كلها لناس غيري. لكن بالتدريج رجعت أقرأ الروايات، رجعت أقعد مع صحباتي، رجعت أطرز، ورجعت أفتكر إن ليّا حياة.
أما منى فاكتشفت إن الحضانة بتكلف فلوس، وإن الشغالة اللي كانت بتعمل شغل أمها كله محتاجة مرتب كبير، وإن البيت مش بينضف لوحده، وإن الطبخ مش بينزل من السما.
بعد شهرين خبطت على بابي. فتحت لقيتها واقفة، مرهقة وعينيها حمرا، وفي إيدها آدم. أول ما شافني مد إيده وقال
تيتا.
حضنته وبكيت، لكن المرة دي ما كانتش دموع ضعف، كانت دموع شوق. منى وقفت ساكتة شوية وبعدين قالت
أنا آسفة يا ماما.
ما رديتش، فكملت
أنا كنت فاكرة إن وجودك شيء مضمون، وماخدتش بالي إني بجرحك كل يوم.
نزلت دموعها، بصيتلها طويل ثم قلت
الاعتذار الحقيقي مش كلام يا منى.
هزت راسها
عارفة
وعرفت متأخر.
سكتنا شوية، وبعدين فتحت الباب على آخره
ادخلي.
دخلت هي وآدم وشربنا شاي، واتكلمنا لأول مرة من شهور كأم وبنت. لكن المرة دي كان فيه فرق كبير؛ أنا ما رجعتش أعيش خدامة، ولا وقعت على أي تنازل، ولا سلمت شقتي لحد. لأن الأم ممكن تضحي بعمرها كله، لكن في لحظة لازم تفتكر إن الكرامة مش هدية من أولادها الكرامة حقها من البداية.
بعد ما دخلت منى البيت وشربنا الشاي، فضلت ساكتة شوية وهي تبص حوالين الشقة.
نفس الستاير القديمة، نفس السفرة اللي كانت بتذاكر عليها وهي صغيرة، ونفس الصورة اللي فيها أبوها الله يرحمه شايلها على كتفه وهي بتضحك. فجأة بدأت تعيط، مش العياط اللي بيطلع عشان الواحد عايز يتأسف وخلاص، عياط الندم. وقالت وهي ماسكة الصورة
أنا وحشتني الأيام دي يا ماما شريف كان دايمًا يقولي إن وجودك معانا واجب وإن الشقة في الآخر هتبقى ليا وإن كل اللي بتعمليه طبيعي.
هزت راسها بندم
ومع الوقت صدقته.
آدم كان بيلعب على السجادة ومش فاهم حاجة، لكن أنا كنت فاهمة. فاهمة إن الغلط بدأ صغير؛
كلمة، وبعدين فكرة، وبعدين طمع، لحد ما الأم بقت في نظر بنتها
مجرد خدمة مجانية.
طلعت منى ظرف من شنطتها وحطته قدامي. فتحته لقيت فيه كل الأوراق اللي كانوا مجهزينها للتنازل مقطعة نصين، وقالت
خلصت الموضوع كله ولا أنا ولا شريف هنقرب من الشقة دي طول ما إنتِ عايشة.
أول مرة من يوم المشكلة حسيت إن بنتي رجعت، مش كاملة لكن بدأت ترجع. بعدها بأسابيع قليلة، منى أخدت قرار مهم؛ سجلت آدم في حضانة قريبة من شغلها، واتفقت مع شركة تنظيف تيجي مرتين في الأسبوع، وبطلت تعتمد عليا في كل حاجة.
أما أنا رجعت أزورهم لما أكون عايزة، مش لما أكون مطلوبة. أروح ألعب مع حفيدي، أقعد أشرب القهوة، وأرجع بيتي وقت ما أحب.
وفي عيد ميلادي ال، خبط الجرس. فتحت الباب لقيت منى وآدم واقفين وفي إيديهم تورتة صغيرة. آدم جري عليا وقال
تيتا دي تورتتك.
أما منى فحضنتني وقالت وهي بتبكي
سامحيني يا ماما.
حضنتها أنا كمان، لأن الأم قلبها كبير. بس المرة دي تعلمت درس مهم الحب من غير حدود بيتحول لاستغلال، والتضحية من غير تقدير بتتحول لوجع.
ومن يومها بقيت أم، وجدة، لكن عمري ما رجعت خدامة في حياة حد.
وعرفت إن أحيانًا أفضل حاجة ممكن تعمليها لأولادك
إنك تعلميهم إنك تستحقي الاحترام قبل أي شيء.
تمت.




