الجزء الأخير فضل أحمد المنصوري يبص على تسجيلات الكاميرات لمدة ٣٨ دقيقة كاملة… ٣٨ دقيقة حس فيهم إن كل ثانية بتخبطه في قلبه. في الفيديو، ظهر عمر وهو بالغلط وقع شوية عصير على السجادة الغالية اللي في الريسبشن. وفجأة دخلت داليا وهي متعصبة بشكل مرعب، مسكته من دراعه بعنف وسحبته ناحية باب البدروم. الكاميرا أظهرت وهي بتزقه جوه أوضة التخزين الضلمة وتقفل عليه بالمفتاح. وبرّه، كان آدم بيخبط على الباب وبيصرخ من العياط. بعدها بثواني، ظهرت كريمة وهي بتجري في الطرقة بخوف وبتترجا داليا:
— يا مدام داليا بالله عليكي… ده طفل صغير وبيخاف من الضلمة. داليا ردت ببرود وهي بتظبط حلقها قدام المراية: — العيال اللي بيتدلعوا بيطلعوا ضعاف… وإنتِ مجرد شغالة هنا، ملكيش دعوة بتربيتهم. أحمد وقف الفيديو فجأة… الكلمات كانت كأنها سكاكين بتقطع فيه. افتكر كل ليلة كان بيرجع فيها متأخر من الشغل، يلاقي ولاده ساكتين وخايفين، وداليا تقوله: — أصلهم متعبين جدًا النهارده فطلعتهم يناموا بدري. افتكر كريمة وهي شايلة آدم وقت الحمى، وافتكر إن عمر ماكانش بيرضى ياكل غير من إيدها… وافتكر إن ولاده كانوا بيجروا عليها قبل حتى ما يجروا عليه هو.
وقتها فهم الحقيقة القاسية… انشغاله بالفلوس والشغل خلا بيته يتحول لجحيم وهو مش واخد باله. لكن الصدمة الأكبر لسه جاية… فتح كاميرا أوضته، وشاف داليا وهي بنفسها بتحط الدهب والساعات جوه شنطة كريمة، وبعدها مسكت موبايلها واتصلت بالشرطة وهي بتمثل العياط. إيد أحمد كانت بتترعش من الغضب. بعت الفيديوهات فورًا لمحاميه ياسر الحديدي وكتبله: — عايز كريمة تخرج حالًا… وكمان عايز أمر منع اقتراب ضد مراتي النهارده قبل بكرة. لما نزل الصالة، لقى داليا قاعدة بكل هدوء بتشرب واين كأن مفيش حاجة حصلت.
قالت بابتسامة مستفزة: — اتأخرت فوق… كلمت المحامي؟ لازم الحرامية دي تتربى. أحمد بص لها ببرود مرعب: — شوفت تسجيلات الكاميرات. في لحظة، وشها اتغير واتسحب منه اللون… بس حاولت تتماسك وقالت بسرعة: — الكاميرات مبتوضحش الحقيقة كاملة… أنا بربيهم عشان يطلعوا رجالة. رد أحمد وهو بيقرب منها: — شوفتك وإنتِ بتحطي الدهب في شنطة كريمة… وشوفتك وإنتِ بتحبسي ابنك ٣٨ دقيقة في الضلمة. داليا فقدت أعصابها وقالت بعصبية: — أنا أمهم! ومن حقي أربيهم زي ما أنا عايزة! هتضيع اسمك وسمعتك عشان شغالة؟!
أحمد رفع عينه للسلم… كان عمر وآدم واقفين مستخبيين ورا السور الحديد، مرعوبين وبيترعشوا. قال بصوت حاسم: — البيت اللي الطفل يخاف فيه يتنفس… مش بيت، ده سجن. ولما حست إنها بتخسر، بدأت تهدده: — فكر كويس يا أحمد… هطلع أقول للناس إنك بتض*ربني وهدمرك في السوشيال ميديا. أحمد بلع ريقه وقال: — يمكن فشلت كزوج وأب بسبب انشغالي… لكن مش هفشل تاني. قدامك نص ساعة تلمي حاجتك وتمشي. داليا طلعت وهي بتزعق وتخبط الأبواب بعنف.
في اللحظة دي، آدم جري حض*ن أبوه وهو بيعيط: — هات طنط كريمة يا بابا… بالله عليك. أحمد نزل لمستوى ولاده وقال: — هرجعها… أوعدكم. لكن عمر همس بخوف: — لو ماما رجعت هتض*ربنا وتقول إن ده بسببنا. قبل ما يرد، تليفونه رن… كان المحامي. — أحمد، داليا سبقتنا… نزلت بوستات بتقول إن كريمة كانت بتغسل دماغ العيال وإنك بتساعدها، والصحافة بدأت تتجمع. أحمد فهم وقتها إن داليا مستعدة تعمل أي حاجة عشان تكسب قدام الناس حتى لو دمرت الكل.
قال للمحامي بثبات: — وري النيابة الفيديوهات كلها. بعد شوية، الأمن خرج داليا من الفيلا. كانت لابسة نضارة شمس وشايلة شنط ماركات، ولسه بتحاول تمثل دور الضحية. حتى حاولت تتصور مع الولاد عشان تنزل الصورة على إنستجرام… لكن عمر استخبى ورا رجل أبوه، وآدم قالها ببراءة موجعة: — إنتِ وحشة… إنتِ أذيتي طنط كريمة. داليا ما دمعتش حتى… ركبت العربية ومشيت. بعد ساعات، في القسم، كانت كريمة قاعدة وإيديها عليها علامات الكلبشات. أول ما شافت أحمد دخل، قامت بسرعة وقالت بلهفة:
— الولاد كويسين يا بيه؟ ما سألتش عن نفسها… ولا عن حريتها. وده كسر قلب أحمد أكتر. قال بصوت مخنوق: — خايفين جدًا… ووحشاهم. المحامي قدم الفيديوهات، والنيابة شافتها كاملة… وفي نفس الليلة اتشالت الكلبشات من إيد كريمة، واتحولت داليا للتحقيق بتهم تلفيق السرقة وتعذيب الأطفال. كانت بتصرخ وهي بتقاوم: — دي مؤامرة! الشغالة دي لعبت بعقول العيال! لكن كريمة بصتلها لأول مرة بثبات وقالت: — أنا بس حميت طفلين… لما حضرتك نسيتي تبقي أم.
الجملة وقعت على المكان كله زي الصاعقة. ومرّت شهور صعبة… قضايا وتحقيقات ورسائل واتساب اتكشفت فيها إهانات داليا لكريمة، وشهادات جيران كانوا بيسمعوا عياط الأطفال من البدروم. وفي الآخر… الحقيقة ظهرت. بالتدريج البيت اتغير. عمر بقى يضحك تاني، وآدم بطل يصحى من النوم مرعوب. وأحمد بدأ يهتم بولاده بجد… بطل سفر كتير، وابتدى يوصلهم المدرسة بنفسه كل يوم. ولما كانوا يخافوا من أي باب مقفول، كان يقعد قدامهم ويقول: — في البيت ده، الأبواب بتتقفل للنوم أو الحمام وبس… عمرها ما هتتقفل على حد تاني.
أما كريمة، فرجعت تشتغل معاهم لكن بشروطها. كانت عايزة توفر فلوس وتكمل دراسة تربية أطفال، وترفض حد يبصلها إنها “خدامة”. وفي يوم قالت لأحمد: — مش عايزة أفضل حاسة إني مدينة لحد. ابتسم أحمد وقال باحترام: — اللي مديون بحياته هنا… هو أنا. وبعد ٧ شهور، المحكمة حكمت لأحمد بالحضانة الكاملة، ومنعت داليا تقرب من الولاد. وفي يوم جميل وسط الجنينة، عمر رسم رسمة فيها ٤ أشخاص ماسكين إيد بعض تحت شمس كبيرة. وقال لكريمة بابتسامة:
— دي عيلتنا. كريمة حض*نته وهي بتعيط من الفرحة… وأحمد كان واقف بعيد، حاسس براحة عمره ما اشتراها بفلوسه. قرب منها وقال بهدوء: — أنا عايزك في حياتنا… لكن بإرادتك، مش بدافع رد الجميل. ابتسمت له ومسكت إيده وقالت: — نمشيها يوم بيوم… من غير خوف ولا كدب. وفي الليلة دي، أحمد علّق رسمة ابنه على التلاجة… وأخيرًا فهم أهم درس في حياته: إن الحب مش فلوس ولا هدايا ولا صور على السوشيال ميديا… الحب الحقيقي إنك تكون موجود، وتصدق دموع طفلك قبل ما يضيع منه الأمان.




