
“هنا.” صوت الساعة على الحيطة كان مسموع بوضوح. هناء افتكرت حاجة… حاجة كانت دايمًا مستغربة منها. أمها كانت دايمًا ترفض تحكي عن أبوها. كانت تقول إنه “مـ,ـات”، لكن عمرها ما ورتها صورة له. ولا شهادة وفـ,ـاة. ولا حتى اسم واضح. “اسمي في البطاقة هناء… بس أمي كانت بتناديني هنا لحد ما دخلت المدرسة.” قالتها بصوت مهزوز. الهواء بقى تقيل. عاصم قرب خطوة، وملامحه بقت مليانة صراع. “تاريخ ميلادك؟” قالته. كان هو نفسه التاريخ اللي محفور في ذاكرته من سنين.
سكتوا الاتنين. الشك بقى يقين تقريبًا… بس اليقين محتاج دليل. فجأة عاصم مد إيده ناحية درج مكتبه وطلّع ظرف قديم جدًا. فتحه بحذر، وطلع منه نصف صورة… نصها مقطوع. نص الصورة كان باين فيه رجل شايل بنت صغيرة بنفس الفستان الأبيض… والجزء التاني مفقود. هناء قربت الصورة اللي في البرواز من النص اللي في إيده… والقطعتين ركبوا مع بعض كأنهم عمرهم ما اتفصلوا. أنفاسها اتقطعت. هو قال بصوت مخنوق: “أنا عمري ما اتجوزت بعدها… عمري ما خلفت… لأني كنت مستني بنتي ترجع.”
دموع هناء نزلت من غير إذن. “طب… لو أنا بنتك… ليه أمي خدتني ومشيت؟ وليه قالتلي إنك مت؟” السؤال كان سـ,ـكين. وعاصم لأول مرة يبان عليه العجز. “لأن في اليوم اللي اختفت فيه… كنت رافض أوافق على حاجة كانت هتغير حياتنا للأبد.” “إيه هي؟” همست. بص لها نظرة تقيلة… مليانة أسرار مدفونة. “كنت رافض أشارك في قضية كبيرة جدًا… قضية كانت هتدخلني عالم النفوذ الحقيقي. ناس تقيلة. خط,,يرة. وأمك… كانت شايفة إن ده مستقبلنا. حصل خلاف… كبير.”
وقف لحظة، وبص للصورة المتركبة قدامه. “تاني يوم صحيت… لقيتهم مشيوا.” هناء حست إن جزء من حياتها اللي كانت فاكرة إنه بسيط وفقير… طلع وراه شبكة معقدة من الأسرار. لكن فجأة… باب المكتب خبط خبطتين خفاف. الست كريمة دخلت وشها شاحب. “أستاذ عاصم… في حد برا مُصرّ يقابلك حالاً. بيقول إن الموضوع يخص… الآنسة هناء.” الاسم اتقال بنبرة تقيلة. عاصم وهناء بصوا لبعض. الإحساس اللي مر بينهم كان واحد: الموضوع أكبر من مجرد صورة. كبر من قصة أب وبنت اتفرقوا.
كريمة كملت بصوت واطي: “والراجل ده… بيقول إنه عارف الحقيقة كلها. وبيقول لحضرتك… لو ماقبلتوش دلوقتي، هتندم.” قلب هناء وقع في رجليها. عاصم شد نفسه بسرعة، ورجعت ملامحه الصلبة. “دخّليه.” لكن قبل ما الباب يتفتح… هناء لمحت حاجة في الظرف القديم اللي كان مفتوح على المكتب. ورقة مطوية… عليها ختم جهة رسمية. مدت إيدها بسرعة وفتحتها. وأول سطر فيها كان كفيل يغيّر كل حاجة: “إقرار تنازل عن طفلة قاصر… مقابل تسوية مالية كاملة.” اسم المتنازل؟
منيرة عبدالحميد. والمستفيد؟ — حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم الورقة كانت بترتعش في إيد هناء. “إقرار تنازل عن طفلة قاصر… مقابل تسوية مالية كاملة.” اسم أمها واضح. الختم رسمي. والتاريخ… نفس الأسبوع اللي اختفت فيه من حياة عاصم. قبل ما تستوعب، الباب اتفتح. دخل راجل في أواخر الأربعينات، بدلة فاخرة، ابتسامة باردة، وعينين بتلمعوا بخبث. “مساء الخير يا أستاذ عاصم… فاتتك وحشة.” عاصم قام واقف فجأة، ملامحه اتقلبت. “أنت؟!” هناء حسّت إن الجو بقى مكـ,ـهرب.
الراجل قعد من غير ما يُدعى، وبص لهناء نظرة طويلة. “واضح إننا بنتقابل أخيرًا يا آنسة… ولا أقول يا آنسة هنا؟” اسمها خرج من بقه بثقة مزعجة. عاصم صوته بقى حاد: “إنت مالكش دعوة بيها.” الراجل ضحك ضحكة قصيرة. “ليّ دعوة أكتر ما تتخيل.” هناء قلبها دق بعن,,ف. “حضرتك مين؟” ابتسم وقال: “أنا الشخص اللي كان المفروض يبقى شريك الأستاذ عاصم من 25 سنة… في القضية اللي غيرت كل حاجة.” عاصم شد فكه. “اسمك ما يتقالش هنا.”
الراجل رد بهدوء: “اتقال زمان… في محاضر رسمية. أنا كمال الدسوقي.” كمال الدسوقي هناء حست إن الاسم تقيل… كأنه وراه تاريخ دـ,ـم. كمال كمل كلامه وهو بيبص للصورة المركبة على المكتب: “كنت عرضت على عاصم يدخل معايا في قضية تخص أراضي الدولة… أوراقها كانت هتغير موازين ناس كبيرة. هو خاف. رفض. بس زوجته ما كانتش عايزة تفوّت الفرصة.” عاصم ض*رب المكتب بإيده. “كفاية!” كمال رفع حاجبه. “الحقيقة بتوجع؟ طب نكملها.” بص لهناء مباشرة: “أمك كانت موافقة تدي معلوم,,ات عن زوجها… عن مستندات كان محتفظ بيها. مقابل حماية… وفلوس.”
“كذاب!” هناء صرخت، لكن صوتها ما كانش واثق. كمال طلع موبايله، وفتح تسجيل قديم. صوت ست… مبحوح… لكنه مألوف جدًا. “أنا موافقة… بس بنتي تفضل بعيد عن أي خـ,ـطر.” هناء رجليها خانتها وقعدت. ده صوت أمها. عاصم وشه بقى شاحب. “التسجيل ده متفبرك.” كمال ابتسم. “للأسف لأ. والدليل كان في الإقرار اللي لسه لاقياه.” هناء بصت للورقة تاني. “يعني… أمي باعتني؟” كمال هز راسه: “لا. حمتك.”




