
عبير قربت منه بخطوات واثقة، عكس المرة اللي فاتت تمامًا. مختار كان واقف مصدوم، مش قادر ينطق ولا كلمة. “إزيك يا مختار.” قالتها عبير بصوت هادي، بس جواه قوة غريبة. “متتخضش كده. أنا مش جاية أعمل مشاكل.” مختار بلع ريقه بصعوبة. “عبير… إيه اللي جابك؟ إيه العربية دي؟”
عبير تجاهلت سؤاله، وكأنها سامعتهوش. “أنا جاية عشان بناتي يا مختار. الفلوس اللي خدتها مني، والشقة اللي إنت عايش فيها مع الست اللي اتجوزتها، كل ده ولا حاجة بالنسبة لي. أنا رجعت ومعايا فلوس كتير أوي يا مختار. اشتريت شقة أكبر وأفخم من شقتك دي بكتير في منطقة راقية جدًا. والعربية دي… زي ما أنت شايف.” بصت العربية بإيماءة خفيفة. مختار كان بيسمع وهو مش مصدق ولا كلمة. عبير دي؟ عبير اللي كانت بتمشي بالجنيه على الجنيه؟ عبير الممرضة اللي كانت شغالة ليل ونهار عشان توفر قرشين؟
“أنا عايزة بناتي يباتوا عندي النهاردة. وكل أسبوع هيجوا يقضوا معايا يوم.” قالتها عبير بصوت أمر، مش سؤال. مختار كان لسه في حالة صد.مة، عقله مش قادر يستوعب التحول ده. “إزاي… إزاي يعني؟” “إزاي دي مش مشكلتك. المهم إن بناتي هيجوا معايا الليلة دي. والليلة دي بس، عشان أقدر أعوضهم عن غيابي. وبعد كده، كل أسبوع يوم. ولو رفضت… أنا ممكن أوريك وش تاني خالص يا مختار، وش عمرك ما شفته قبل كده.” قالتها عبير وعينيها بتطق شرار، بس وشها كان ثابت وهادي.
في اللحظة دي، البنات خرجوا من المدرسة. أول ما شافوا عبير، عيونهم وسعت بس المرة دي كانت فيه فرحة، مش خوف. “ماما!” الاتنين جريوا ناحيتها. الرواية بقلم ملك إبراهيم عبير حض,,نتهم بحب الدنيا كله، رفعتهم عن الأرض وهي بتضحك من قلبها. مختار كان واقف بيتفرج على المشهد، حاسس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه. عبير القديمة اللي يعرفها اختفت، وحلت محلها ست تانية خالص. ست قوية، غنية، وماحدش يقدر يكــ,,ـــــسرها.
تخيل مختار للحظة إن كل ده كابــ,,ـــــوس وهيصحى منه. لكن صوت البنات وهما بينادوا “ماما!”، وحض,,ن عبير ليهم، أكدله إنها حقيقة. عبير دي، اللي كانت من شوية ممرضة على باب الله، رجعت بلمعة في عينيها وقوة في صوتها، وواضح إن معاها فلوس كتيييير أوي. الفلوس دي اللي مقوية قلبها كده. مختار، اللي عقله كله بقى مشغول بالفلوس اللي عند عبير، ماقدرش يرفض طلبها. “خلاص يا عبير، خدي البنات. بس يبقوا يرجعوا بكرة بدري.” قالها بصوت هادي، بيحاول يداري الصد.مة اللي جواه.
عبير ابتسمت ابتسامة انتصار خفيفة. “متخافش، هيرجعوا بكرة في ميعادهم. سلام يا مختار.” خدت عبير البنات، وركبت عربيتها الفخمة، وسابت مختار واقف لوحده، عقله بيودي ويجيب. ند.م، ند.م مرير، بدأ ياكل في قلبه. ياريتني ما طلقتك يا عبير. ياريتني ما سمعت كلام نرمين. ياريتني ما فرطت في كنزي.
رجع مختار البيت وهو بيبص لنرمين بغيظ مكتوم. كل حركة بتعملها، كل كلمة بتقولها، كان شايف إنها السبب في اللي حصل. هي اللي ضيعت منه الدجاجة اللي كانت بتبيض دهب. زمانه كان قاعد في شقة أكبر ، معزز مكرم، والفلوس بتجيله لغاية عنده. لكن دلوقتي؟ لا. عبير قطعت الحنفية. الفلوس اللي كان بيستقبلها كل شهر خلاص وقفت. بقى مضطر هو اللي ينزل ويشتغل عشان يكفي البيت، بعد ما اتعود إن الفلوس بتيجي بسهولة ومن غير تعب. بص لـ”آسر” ابنه وهو بيبكي، حس إن المسؤولية طوق حوالين رقبته.
في نفس الوقت، عبير كانت في قمة سعادتها وهي بتفرج بناتها على شقتها الجديدة. الشقة كانت فعلًا تحفة، واسعة، وفيها كل حاجة ممكن يحلموا بيها. غرفة خاصة لكل بنت، ألعاب كتير، وشاشات تلفزيون كبيرة. عبير كانت قاصدة إن البنات ينبهروا، عشان يروحوا يحكوا لأبوهم على كل التفاصيل. “ودي أوضتك يا ملك، ودي أوضتك يا ملاك! اختاروا اللي تعجبكوا.” قالت عبير وهي بتفتح أوضتين كبار، كل واحدة أحلى من التانية.
البنات عيونهم كانت بتبرق من الفرحة. كانوا بيجروا في الشقة، يكتشفوا كل زاوية، ويضحكوا بصوت عالي. “الله يا ماما! الشقة دي تحفة! أحلى بكتير من شقتنا!” قالت ملك وهي بتنط على السرير الجديد. “آه يا ماما! أنا عايزة أعيش معاكي هنا على طول!” كملت ملاك. عبير حض,,نتهم بحنية. “كل حاجة في وقتها يا حبايبي. المهم دلوقتي تستمتعوا بوقتكوا معايا.” تاني يوم، البنات رجعوا بيت أبوهم وهما طايرين من الفرحة. أول ما دخلوا، مختار كان مستنيهم بلهفة، مش عشان شوقه ليهم، قد ما كان عايز يعرف تفاصيل الزيارة.
“ها يا حبايبي، اتبسطوا عند ماما؟” “أوي أوي يا بابا! ماما عندها شقة كبيييرة كبيييرة! وفيها أوضتين لينا إحنا بس! وألعاب كتيير، وتلفزيون كبير أوي!” ملك كانت بتحكي وهي بتلوح بإيديها الصغيرين. “آه يا بابا! أحلى من شقتنا بكتير! وفيها بلكونة كبيرة وفيها زرع! وماما عندها عربية كبيرة أوي لونها أسود، حلوة خالص!” ملاك كملت بحماس. مختار كان بيسمع وكل كلمة بتتقال كانت بتوجعه أكتر وتأكدله حجم الخسارة. نرمين كانت قاعدة سامعة ومبتغاظة، بس مش قادرة تتكلم.
“نفسنا نعيش معاها على طول يا بابا. ينفع يا بابا؟” ملك سألت ببراءة. مختار ما عرفش يرد. بص لبناته، وبعدين بص لنرمين اللي وشها كان قالب ألوان. فكرة إن بناته عايزين يعيشوا مع عبير، وإن عبير عندها حياة أفضل من حياته، كانت بتطحنه. الشقة الفخمة، العربية الغالية، الفلوس الكتيرة… كل ده كان بيزود الطمع في قلبه، والند.م بيزيد كل لحظة. عبير بتلعبها صح.
جه معاد الزيارة التانية للبنات عند عبير. مختار، اللي كان الفضول والطمع بياكلوا في قلبه، قرر إنه لازم يروح معاهم. “أنا هوصل البنات يا عبير، عشان متتعبيش.” قالها وهو بيحاول يبان مهتم، لكن عبير كانت عارفة كويس اللي بيدور في د.ماغه.
بالنسبة لعبير، كل تفصيلة في الخطة كانت محسوبة بدقة. أول لما مختار وقف قدام العمارة الفخمة، كانت مستنياه. فتحت الباب وهي لابسة فستان شيك جدًا، كان بيبرز جمالها اللي رجع نضارته بعد ما ارتاحت من الشغل الشاق في الغربة. وفي إيديها، لمعت أساور وخواتم دهب كتير، لدرجة إنها كانت بتلفت أي عين. مختار ماكانش يعرف إن كل الدهب ده، ما هو إلا إكسسوارات قلدت الدهب الأصلي بإتقان. “أهلاً يا مختار، اتفضل. .” قالتها عبير بابتسامة هادية، وهي بتفسح له المجال يدخل.
مختار دخل وهو عينيه بتلف في كل ركن في الشقة. كانت فعلاً فخمة، الديكورات راقية، الأثاث أنيق وغالي، المساحة واسعة، والإضاءة كانت مبهرة. الدهب اللي في إيد عبير، الفستان اللي لابساها، الشقة اللي هو بداخلها دلوقتي… كل ده كان بيخليه يشك في كل كلمة نرمين قالتها له. البنات جريوا على أبوهم، وحكوا له عن الألعاب الجديدة، وعن الأوضة بتاعتهم، وعن التلفزيون اللي في كل أوضة. مختار كان بيسمع وهو بيحاول يداري الغيظ والطمع اللي جواه. عينيه كانت بتلمع لمعة غريبة.
بعد ما قضى مختار حوالي نص ساعة في الشقة، استأذن عشان يمشي. وهو خارج، ودع عبير بابتسامة خفيفة، لكن جواه كان بركان بيغلي. “متقلقش على البنات، هيرجعوا زي الفل.” قالتها عبير وهي بتوصله لحد الباب، وابتسامتها كانت مزيج من الانتصار والشم,,اتة.
مختار مشي من عندها وهو مش طايق نرمين. كل ما يفتكر منظر الشقة، وكل ما يتخيل حجم الفلوس اللي مع عبير، كل ما يحس إن نرمين هي السبب الرئيسي في كل المشاكل دي. هي اللي ضيعت منه كل ده. هي اللي أغرته بالكلام، وضيعت عليه كل الخير اللي كان هيجيله من عبير. رجع بيته وهو متضايق أوي، كل تفكيره في الفلوس اللي ضاعت من إيديه. أول ما دخل الشقة، نرمين قابلته بابتسامة. كانت حاسة إنه متغير من يوم ما عبير ظهرت. “مالك يا مختار؟ شكلك مضايق؟”
كلمتها كانت الشرارة اللي فجرت غض,,به المكبوت. “وإنتِ مالك؟ عايزة إيه؟ مش كفاية اللي عملتيه فيا؟ ضيعتي عليا كل حاجة!” نرمين اتصد.مت من طريقة كلامه. “أنا عملت إيه يا مختار؟ أنا كل اللي طلبته الحلال، وأنت اللي وافقت!” “حلال إيه وزفت إيه؟ كنت عايش ملك في بيتي، والفلوس بتجيلي لغاية عندي! دلوقتي أنا اللي لازم أشقى عشان أكفي مصاريفك ومصاريف ابنك!” صرخ مختار في وشها. “شفتي عبير؟ شفتي اللي كانت عايشة فيه؟ شقة أحسن من دي ألف مرة، وعربية، ولبس ودهب. كل ده راح بسببك!”
الخناقة اشتدت بينهم. كلام قاسٍ كتير اتقال من مختار. نرمين ما قدرتش تستحمل إهانته، جمعت هدومها وهدوم ابنها، وسابت البيت في لحظة غض,,ب، وراحت لأهلها. مختار ما اهتمش. كان كل تفكيره منصب على عبير. لازم يرجعها. لازم يرجع الفلوس دي تاني. كملوا الجزء الأخير من الرواية وشوفوا ازاي عبير هتنتقم وتاخد حقها منهم.




