Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
روايات

انزلي المحطه

زوجي وأنا كنا نسـ,ـافر بالقطار عند.ما جلـ,ـست امرأة ترتدي ملابس زاهية وملونة بجانبي، ونظرت إلى زوجي النائم وهمست بصوت خافت: — عليك النزول في المحطة القاد.مة في البداية لم أصدقها، لكنـ,ـني قررت الاستماع لها. وعنـ,ـد.ما نزلت من القطار، التفتت وفجأة رأيت شيئًا ملأ قلبي بالرعب كنا عائدين من بيت والديّ في قطار ليلي. غرق زوجي في النوم بسرعة على الطابق العلوي، متعبًا من الرحلة والحديث الطـ,ـويل. جلست بجانب النافذة، أحدق في الظلام، حيث تتلألأ أضواء المحطات أحيانًا. كان المقصورة هادئة، يملـ,ـؤها إيقاع العـ,ـجلات المستمر وشخير زوجي الخفيف.

أنا في الثالثة والأربعين من عمري. خلفي طلاق، سنوات من تحمل كل شيء بمفردي، وابنة بالغة نشأت تقريبًا بلا أب. توقفت منذ زمن عن تصـ,ـديق القصص الجميلة عن السعادة المفاجئة. حافظت على مسافة من الرجـ,ـال حتى ظهر هو. هادئ، مرتب، منتبه. التقيت به صدفة في متجر، ثم جاء القهوة، والمشي، وحديث عادي. لم يضغط عليّ، لم يستعجل، كان يستمع. أخبرني أنه فقد زوجته بسبب المرض، وصدّقته. بعد عدة أشهر تزوجنا كان يساعد في البيت، يطبخ، ويأخذني من العمل. شعرت بالراحة إلى جانبه.

ابنتي عاملته بحذر، لكنني اعتبرت ذلك غير ضروري وغيرة لا داعي لها. عند.ما دعاني والديّ للزيارة، اقترح أن نذهب معًا. هناك أظهر أفضل ما لديه: أصلح البوابة، قاد والدي إلى الطبيب، وكان مهذبًا ومنتبهًا. أعجب والديّ به، وأخيرًا اقتنعت أنني لم أخطئ سافرنا عائدين ليلاً. كانت المقصورة هادئة. غرق زوجي في النوم فورًا. لم أستطع النوم، كنت أفكر في المستقبل وكيف سارت الأمور على نحو غير متوقع. انفتح باب المقصورة دون طرق. في الممر وقفت امرأة سمراء البشرة ترتدي تنورة طويلة زاهية ووشاح على رأسها. لم تطلب المال، ولم تعرض قراءة الطالع. نظرت إليّ، ثم إلى زوجي النائم، وقالت بهدوء:

— عليك النزول في المحطة القاد.مة. فقط لا توقظيه، أو ستند.مين. لم يكن هناك رجاء أو مزاح في صوتها. فقط يقين. ضاقت حلقي. نزلتُ من القطار بخطوات مرتجفة، حقيبتي الصغيرة تزن في يدي كأنها جبل. وقفتُ على الرصيف الخالي تماماً إلا من ضوء باهت يتأرجح فوق رأسي. تسارعت أنفاسي والقطار بدأ يتحرك ببطء، يطلق صفيراً حزيناً يشق سكون الليل. التفتُّ لأنظر إلى نافذة مقصورتنا للمرة الأخيرة، وهنا تجمّد الد.م في عروقي. 😱

لم يكن زوجي نائـ,ـماً كما تركته. كان واقفاً خلف الزجاج تماماً، يحدـ,ـق فيّ بنظرة لم أرَها قط في حياتي. لم تكن نظرة الرجل الحنون الذي عرفته، بل كانت عيناه باردتين كالجمر، ووجهه خالٍ من أي تعبير بشري. وما روعني حقاً هو أنه كان يمسك في يده هاتفي المحمول الذي ظننتُ أنني أضعته في بيت والدي، وكان يقرأ رسالة نصية بصوت صامت، وشفتيه ترسمان ابتسامة ساخرة تقـ,ـطر شراً. بجانبه، ظهرت تلك المرأة الغامضة للحظة واحدة، وضعت يدها على كتفه وهمست في أذنه، ثم نظرت إليّ وأشارت بيدها أن “اذهبي ولا تعودي”.

اختفى القطار في جوف الظلام، وبقيتُ وحدي في تلك المحطة المقطوعة. جلستُ على مقعد خشبي متهالك، أحاول استيعاب ما حدث. بعد ساعة، وصلت سيارة شرطة كانت تمر بالصدفة. أخبرتهم أنني تهت، وأوصلوني إلى أقرب نزل. في الصباح، كانت المفاجأة الصاعقة بانتظاري في عناوين الأخبار: “انفجار غامض في عربة القطار المتجه للعاصمة.. ولا يوجد ناجون من المقصورة رقم 4”. سقطت الجريدة من يدي. المقصورة رقم 4 كانت مقصورتنا!

هرعتُ إلى ابنتي، وجدتها تنتظرني بد.موع تملأ عينـ,ـيها. احتضنتني بشدة وقالت: “أمي، كنتُ أعرف.. بحثتُ في أوراقه القديمة بينما كنتم عند جدي، وجدتُ صـ,ـوراً لثلاث سيدات قبلك، كلهن توفين في حوادث غامضة بعد زواجهن منه بأشهر، وكان يغير اسمه في كل مـ,ـرة!” تلك المرأة التي حذرتني لم تكن غريبة، بل كانـ,ـت “رؤيا” أو ربما دعوة صادقة من أمي في جوف الليل استجاب لها الله. تذكرتُ هدوءها ووشاحها الملون، وأدركـ,ـتُ أن الله أرسل لي من ينقذني من براثن “صياد الأرامل”.

عدتُ لحياتي، لكنني لم أعد تلك المرأة السـ,ـاذجة. تعلمتُ أن الحدث القلبي لا يخطئ، وأن خلف كل قناع مثالي قد يختبئ شيطان. أما هو.. فقد ذهب مع انفـ,ـجاره إلى حيث لا يعود أحد، وبقيتُ أنا مع ابنتي، تحت ظل رعاية الله، أكتب قصتي هذه لتكون عبرة لكل من تظن أن السعادة المفاجئة لا ثمن لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى